شاركونا بأخباركم! اضغط هنا ...

تعدد الزوجات في الإسلام

محرر الخبر: موقع هسا | تاريخ النشر: 20 سبتمبر, 2012 | القسم: دين ودنيا

وهذه واحدة من أبرز المسائل التي يتعلق بها محترفو الافتئات على الإسلام، ومصطنعو الغيرة على المرأة وحقوقها… وهي عندهم عنوان كبير على أن المرأة تعاني، في المجتمعات الإسلامية من مشكلة اللامساواة مع الرجل، فما هو وجه الحقيقة في ذلك؟

المصالح وقانون سلم الأولويات:

من المعروف أن مدار أحكام الشريعة الإسلامية على ما تقتضيه مصالح الناس.

ومن المعروف أيضاً أن المصالح والمفاسد متداخلة أو متلازمة دائماً، وأن كلاً من المصالح والمفاسد متفاوت في الأهمية والخطورة.

ألا ترى إلى الخمر والميسر كيف وصفهما الله بقوله:) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ( [البقرة: 2/219]، ثم ألا ترى أن مصلحة الحياة أكبر أهمية وخطورة من مصلحة النسل أو المال، وأن الضروريات التي تتوقف عليها مصلحة الحياة أو العقل أو المال، أجدى من الحاجيات أو التحسينيات التي تتطلبها تلك المصالح؟

وهكذا فقد شاء الله تعالى أن لا ينال الإنسان في هذه الدنيا شيئاً من مُتَعِه ولذائذه إلا مشوباً بقدر كبير أو يسير من الأكدار والمنغصات… كما شاء عزَّ وجلَّ أن يتفاوت جوهر المصالح في مدى أهميتها وشدَّة احتياج الإنسان إليها.

فكيف السبيل، والحال هذه، إلى جعل المصالح الإنسانية محوراً لسير الشرائع والقوانين؟

السبيل إلى ذلك هو ما قد شرعه الله تعالى في تصنيف للمصالح والمفاسد، حسب مدى الأهمية والحاجة، وحسب شدة المزيج من الشوائب التي تتسرب من إحداهما إلى الأخرى. وهذا ما يسمى في الشريعة الإسلامية بمبدأ سلَّم الأولويات.

وقاعدة سلم الأولويات هذه، تفرض نفسها على الصعيد التطبيقي لجلِّ الأحكام الشرعية إن لم نقل: لكلِّها. فإذا تعارضت مصلحة مشروعة على مستوى الحاجيات مع مصلحة مشروعة على مستوى الضروريات، وجبت التضحية بالحاجي إبقاءً على الضروري. وإذا رأي المسلم نفسه بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينجرف إلى مفسدة ذات آثار ونتائج كلية تضر بالمصالح الحاجية أو الضرورية، فإن عليه أن يبتعد عن المفسدة الكبرى التي تضرُّ بالمصالح الضرورية، وإن اقتضى ذلك أن يستسلم للمفسدة التي هي دونها.

ومما هو معروف وبيِّن، أن الله إنما شرع الزواج تحقيقاً لمصلحة ضرورية تتمثل في إبقاء النوع، وفي تحميل الإنسان مسؤولية بناء الأسرة وتربية النشء، أي ربط الأجيال بعضها ببعض عن طريق رعاية الجيل السابق لمن يخلفه من الجيل اللاحق.

وبوسعنا أن نقول: إن الأصل هو أن يحبس كل من الزوجين نفسه لرعاية الآخر وإسعاده.

ولكن الشريعة الإسلامية تضع في اعتبارها احتمال وجود ظروف وأسباب تجعل الزوج عاجزاً عن الاكتفاء بالزوجة الواحدة… وليس في الناس من يمتري ويجادل في وجود هذه الأسباب في كثير من الأحيان، أيّاً كان نوعها، وهي تعلن عن نفسها في الغرب وتهيمن بسلطانها هناك على الرجال، وأكثر مما تعلن عن نفسها هنا في المجتمعات الإسلامية.

وقد علم الله الذي ألزم عباده بهذه الشريعة، أن الناس كانوا ولا يزالون من صنف البشر الذين يجوز عليهم الخطأ والانحراف، ولن يصبحوا يوماً ما من صنف الملائكة الذين يتميزون بالعصمة والسمو عن الخطأ والآثام.

إذن، ونظراً لاحتمال وجود هذه الأسباب، فإن الزوج قد يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: أحدهما أن يصبر ويبقى حبيساً على زوجته الواحدة على الرغم من السبب الذي يحمِّله من أمره عنتاً، ثانيهما: أن ينزلق إلى ارتكاب الفاحشة والزنا…

ونظراً إلى أن هذا الزوج بشر معرَّض لارتكاب المحرمات بل الموبقات وليس ملكاً معصوماً من الآثام، فإن الأرجحية من حيث الواقع الذي قد يفرض نفسه، إنما هو للخيار الثاني وهو الانجراف في الفاحشة بل الفواحش.

وهنا يأتي دور قاعدة سلَّم الأولويات في رعاية المصالح والابتعاد عن المفاسد.

لقد قررت الشريعة الإسلامية أنه إن كان لا بد من ضميمة إلى الزوجة، نظراً للحالة التي يعاني منها الزوج، فلتكن منضبطة هي الأخرى بعقد زواج، وليتحمل الزوج عندئذ تجاهها كل المسؤوليات التي يتحملها الزوج تجاه زوجته من مهر ونفقة وسكنى، وليضبط الزوج نفسه بقانون العدالة التامة بين الزوجين في المبيت والنفقة والمعاملة، ويتحمل مسؤولية رعاية صغاره من هذه كما يتحمل مسؤولية رعاية صغاره من تلك…

أجل… قررت الشريعة الإسلامية هذا، نظراً إلى أن الضميمة الأخرى التي سيركن إليها الزوج، دون أي التزام بشيء من هذه الضوابط والقيود، وهي الزنا، أوغل في الفساد وأزهي للمصالح من الضميمة ذاتها عندما تكون محجمة ومحددة بالضوابط والقيوم التي أُلزِمَ الزوج بها. وإنما تمسح قاعدة سلم الأولويات، في هذه الحالة، بالخيار الثاني دون الخيار الأول.

إن الغرب، يذهب في فتح باب التعدد أمام الزوج مذهباً لا يوقفه عند حدّ، ولا يلزمه بأي ضوابط ولا يقيده بأي ميزان للعدالة… بينما قضت الشريعة الإسلامية أن لا يفتح باب التعدد هذا إلا بمقدار، وأن يلزم الزوج من ذلك بمغارم ثقيلة، وأن يقيد بميزان العدالة في المبيت والنفقة والسكنى والمعاملة.

فأي عاقل هذا الذي يملك أن يقول: إن كان لا بدّ للزوج أن يركن إلى ضميمة أخرى بالإضافة إلى زوجته، فليمارس في ذلك حظه طبق ما يشتهي ويريد، وليجن في هذا السبيل ما يشاء من اللذائذ والمغانم دون أن يُحمِّل شيئاً من المسؤوليات والمغارم، ودون أن يتعرف على ذرية وأولاد… فذلك أولى مدنياً وحضارياً من أن يُضبط الأمر بقيود الإنسانية والعدالة، وأولى من الانقياد لقاعدة: يُتحمل الضرر الأصغر درءاً للضرر الأكبر، ولقاعدة: تقدر الضرورات بقدرها.

ما يراه أصحاب المنطق الآخر:

غير أن المنطق الواضح، لا يلقى إلى الآن آذاناً صاغية، في ربوع الغرب، وبين عشاقه من الناس الآخرين. ومردّ ذلك إلى سببين اثنين:

السبب الأول: أن نظام الحياة الغربية ينظر إلى ما نسميه (الزنا) نظرة مختلفة، بل متقاطعة، عن نظرة الشريعة الإسلامية. إن غريزة الجنس يمكن إشباعها إنسانياً بأي طريقة يتفق عليها الشريكان، فيما يراه العرف، ومن ثم، النظام الغربي، وإن كانت طريقة الزواج وبناء الأسرة تظل هي المتميزة والفضلى… ومهما جرت الفاحشة (الزنا) ذيولاً من الأضرار والمآسي الاجتماعية والصحية والأخلاقية، فإن الجاذبات الغريزية إليها تظل متغلبة، وفي الواقع السلوكي على كل ذلك. ومن ثم فإن سلطان سلَّم الأولويات غائب غياباً يكاد يكون تاماً عن هذه الساحة.

أما الشريعة الإسلامية التي تدور أحكامها على محور المصالح الإنسانية الكلية، التي تتلخص في الكليات التالية: الدين، فالحياة، فالعقل، فالنسل، فالمال، طبق هذا الترتيب، فلا يسعها إلا أن تنظر إلى الفاحشة (الزنا) من خلال ذيولها وآثارها الكثيرة الناجمة عنها، وأن تقارن بعد ذلك بينها وبين العلاقات الجنسية المنضبطة بقيود الزواج وآثاره، ثم أن تحكم على كل منهما طبق ما تقتضيه قاعدة سلم الأولويات في المصالح والمفاسد.

السبب الثاني: أن الزواج نفسه، بمعناه الشرعي والاجتماعي، أخذ يتقلص عن المجتمعات الغربية، لا سيما الأمريكية، حيث أصبحت رابطة الصداقة بين الطرفين، هي البديل… وبوسعك أن تلاحظ بسهولة أن هذه الرابطة ماضية لا في الانتشار بسرعة فقط، بل أيضاً في الحلول محلَّ الزواج، لا سيما في الجيل الجديد.

ومن الطبيعي في هذه الحالة أن لا تظهر المقارنة بين رابطة الصداقة والانزلاق إلى الفاحشة أي الزنا، أي موبقة أو انحراف تتسم به هذه الثانية بالنسبة للأولى. إذ مما لا شك فيه أن الرذيلة تتحول في أنظار كثير من الناس إلى فضيلة، عندما تنحطّ الفضائل التي من حولها إلى مستواها. لا سيما بالنسبة لأولئك الذين لا يدركون قيمة الأشياء إلا بأضدادها.

إن رابطة الصداقة بين شاب وفتاة، عندما تحلُّ في حياتهما محل الزواج، ترقى بكل العلاقات الشائنة إلى مستوى هذه الصداقة التي حلت محل الزواج. إذ ما الفرق بين صداقة سابقة بين اثنين، وصداقة أخرى لاحقة طرأت عليهما أو على أحدهما. وإذا كانت الأولى منهما قد حلَّت محلَّ الزواج وحظيت بقدسيته، فينبغي أن تحظى الثانية بالمنزلة بل القدسية ذاتها.

وهذا هو السبب في أن أكثر الصديقات اللائي يكتشفن أن أصدقاءهن قد ارتبطن بعلاقات صداقات مع أخريات، لا يشعرن بأي انزعاج من جراء ذلك، ولا يرين في ذلك من بأس. كما كشف عن ذلك المسح الشامل الذي قام به ونشره معهد كينزي للدراسات الجنسية، عن الجنس والأخلاق في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل بضع سنوات.

لقد تقدم هذا الاستطلاع إلى جمهرة كبيرة من الفتيات بالسؤال التالي: كيف يكون ردّ فعلك حينما تعرفين أن صديقاً لك يقيم علاقة جنسية خارج إطار العلاقة بينكما؟

أجاب 6% منهن بأنهن يفضلن قطع الصلة بهذا الصديق، وأجاب 10% منهن قائلات: نبقى على اتصال ولكننا لا نعود نعتبره صديقاً. وأجاب 33.4% بأننا نبقى أصدقاء ولكن المسألة تصبح مصدر إزعاج، أما النسبة الباقية، وهي 51% تقريباً، فقد أجابت: نبقى أصدقاء، وهذه ليست مشكلة أبداً([1]).

إن منطقية هذا الموقف الذي يمثل، كما رأيت، موقف أكثرية البنات، ناشئ عن انحدار الزواج إلى مستوى الزنا المتفق عليه بين الشريكين، وليس ناشئاً من سموِّ الزنا إلى مستوى العلاقة الزوجية المنضبطة المقدسة.

ونظراً إلى أن الشريعة الإسلامية ترفض الزنا من حيث هو، لسلسلة الآثار الفاسدة الناجمة عنه، فإن انحدار صلة ما بين الزوجين إلى علاقة صداقة حرة، أي زناً مستمر، لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، ولا يشفع لشيء من سلسلة آثاره السيئة، ما دامت موجودة وظاهرة للعيان.

أما الغرب -وتعد أمريكا النموذج الأول لنهجه وواقعه- فينظر إلى الصداقات الإضافية، أي التجاوزات الجنسية التي يمارسها الرجل خارج منزل الزوجية أو الصداقة، على أنها تتمتع بالمبررات ذاتها التي تتمتع بها العلاقات الزوجية أو علاقات الصداقة الدائمة التي حلَّت محلَّها.

وقد كان من آثار هذه النظرة، أن ذهب الرجل في ممارسة التجاوزات كل مذهب، واخترق في سبيل حظوظه كلما يمكن أن يتصور من معاني اللياقة والكرامة والأمن والنظافة للمجتمع الذي يعيش فيه، وكل ما يمكن أن يقر بها ذلك المجتمع من حقوق للمرأة، تتمثل في الأمن على حياتها والتمتع بحريتها والاعتداد بإنسانيتها والاحتفاظ بصحتها وعافيتها.

ذلك لأن النظام الغربي لما رضي بإحلال الصداقة المنزلية محل العلاقة الزوجية المقدسة، ثم رضي برفع سائر التجاوزات الجنسية الأخرى إلى مستوى الصداقة المنزلية التي حلت محل الزواج، كان ذلك إعلاناً صريحاً من ذلك النظام بأن سائر المغامرات الجنسية، التي قد تتم في المجتمع، إن هي إلا كتلك الصلات الجنسية التي قد تتم في بيت الزوجية.

فكان من آثار هذا الإعلان الذي رحَّب به أصحاب الرعونات والنزوات الجنسية المتحررة، أن اجتاح تلك المجتمعات سيل من مآسي العنف والخطف والاغتصابات والأمراض، بل العاهات… وكان لا بدّ أن يتوضع وينحطَّ ذلك كله في صفوف النساء والفتيات.. إذ المغامرون في هذه الأحوال، هم دائماً أو على الأغلب الرجال.

وتتحدث الدراسات والتحقيقات التي تقوم بها المؤسسات الصحافية والمعاهد الصحية والثقافية والاجتماعية في أمريكا، عن المآسي والفظائع الناجمة عما يسمى اليوم بـ (وحش الجنس) على شتى المستويات وفي سائر الأماكن والدوائر والجامعات والمؤسسات.

لقد تحدثت سيدات كثيرات في نطاق بعض هذه التحقيقات عن الدمار الذي لحق بمستقبلهن كموظفات نتيجة امتناعهن عن الاستجابة للمحاولات الجنسية من جانب رؤسائهن، وعن المهانة التي يشعرن بها والأعمال الانتقامية التي يتعرضن لها بسبب مقاومتهن، وتحدث بعضهن عن ميلهن للجوء إلى محاولة الانتحار.

كما تبين، نتيجة لبعض هذه التحقيقات أن أعداداً كبيرة من الفتيات تركن دراساتهن الجامعية، فراراً من التعرض للاغتصاب الذي يقع في شباكه كل عام ما لا يقل عن 53% من الفتيات.

وقد أذاعت الحكومة الأمريكية أخيراً، من خلال المركز القومي لمراقبة الأمراض، أرقاماً رسمية تفيد أن عدد حالات الإصابة بأمراض جنسية تناسلية يزداد في الولايات المتحدة سنوياً بمعدل 15 مليون حالة. والأيدز ليس أغلبها، بل هو واحد من مجموع أمراض تناسلية كثيرة([2]).

والغريب أن في الكتاب والباحثين الغربيين، من يتساءل في عجب عن السبب في كل هذا الانغماس في حمّى الجنس، وعن السبب في الارتفاع المطرد لمعدل الجرائم الجنسية لا سيما العنف والاغتصاب… متصورين أن مجتمعاً مفتوحاً حرّاً مختلطاً، كالمجتمعات الغربية، ينبغي أن يكون منزهاً عن هذا الوباء الذي يحتاجه!!..

أما نحن الذين نربط النتائج بمقدماتها، فلا مكان للاستغراب من هذا الأمر في أذهاننا. بل نراه النتيجة المنطقية لتحطيم قدسية الزواج، وحلول علاقات (الصداقات الدائمة) محلّها. ثم لاعتبار التجاوزات الجنسية خارج منزل (الصداقة الدائمة) كعلاقة الصداقة الدائمة سواء بسواء.

وحمايةً للمجتمع الإنساني أن لا يقع في هذه الحمى الجنسية المهلكة، فقد أصرَّت الشريعة الإسلامية على أن يكون الزواج وحده هو حقل العلاقات الجنسية دائماً، وأن لا يغمض المجتمع عينه عن هذه الحقيقة فيجعل مما يسمى بعلاقة الصداقة، قائماً يوماً ما، مقام الزواج… وذلك كي لا يُغْلَب على أمره أخيراً فيضطر أن يجعل من المغامرات الجنسية الأخرى، بديلاً عن تلك الصداقة أو شريكاً معها.

وإذا كانت إجابة أكثر من خمسين بالمئة من النساء والفتيات عن سؤال يقول: (ما موقفك إذا علمت أن صديقك يقيم علاقة جنسية أخرى مع إحدى الفتيات) هو: نبقى أصدقاء، هذه ليست مشكلة. فإن هذه الإجابة تعطي أعظم مبرر منطقي للشريعة الإسلامية عندما أقنعت الزوجة -عن طريق الانضباط بالمسؤولية ومنهج العدل- أن تقول هي الأخرى عن زوجها الذي تزوج بأخرى: نظل أزواجاً… هذه ليست مشكلة.

والفرق بين الموقفين، أن التسوية بين الصداقة الجنسية داخل المنزل والصداقة الجنسية خارجه، هي التي جرت تلك المآسي المرعبة التي اجتاحت المجتمعات الغربية وزجّت به في طريق الدمار، أما التسوية بين الزواج الأول والثاني في ظل الحياة الزوجية المنضبطة والملتزمة، فهي التي تحصن المجتمع ضد الانجراف في تلك المآسي وضدّ المثول وجهاً لوجه أمام ما يسميه الغرب اليوم (وحش الجنس) أو (حمى الجنس).

وعلى الرغم من وضوح الفرق بين هاتين التسويتين، فإن في المغفلين اليوم، من يعطي التسوية بين صديقة المنزل وصديقة الشارع مئة مبرر ومبرر، ولا يعطي التسوية التي شرعها الله بين الزوجة الأولى والثانية، بضوابطها وقيودها، مبرراً واحداً!…

ولكن فليعلم المغفلون قبل غيرهم أن عذر الذين يساوون بين صداقة الجنس في المنزل وصداقتها خارج المنزل، أن قصارى همّهم متعة ليلة بل لذة ساعة… وليكن من بعد ذلك الطوفان والدمار، أما عذر الشريعة الإسلامية فهو أنها لا تريد أن يتحول المجتمع إلى ساحة للُّقطاء، وأطفال الملاجئ… لا تريد أن تغدو المرأة اللطيفة المسكينة تحت سطوة من قهر الرجل الأرعن اللاهث وراء متعة نفسه، بالوعةً لتصريف نزواته… لا تريد أن يهبط الجنس الذي قدَّسه الله بشرعه الزواج إلى وباء يسمِّم البيئة وينشر الموت والدمار.

لقد قرأت حول هذا، كلاماً لصديقنا الراحل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، في كتابه الممتع: فنُّ الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء، ما أحب أن أشوهه بأي تلخيص أو اختصار، بل أنقله بنصه الذي يحمل معه عقلانيته وروحه:

(أما الإسلام فقد أباح الزواج، ويسَّره، وجعله من القربات إلى الله).

وعندما يطمئن إلى الضمانات الخلقية عند الرجل، يبيح له التعدد وإلا منعه.

والغريب أن العالم الغربي، أثار دخاناً كثيفاً حول تعاليم الإسلام وأطلق عليها ألسنة الشغب من كل ناحية.

والأغرب أن هذا العالم الغربي، بنى علاقاته الجنسية على فوضى رهيبة، فالأولاد الذين يولدون على فراش المعصية تتفاحش نسبتهم حتى كادوا في بعض الأقطار يقاربون نسبة الأولاد العاديين.

وبالنسبة إلى التعدد فإن تنقّل الرجل بين لفيف من النساء أمر مفهوم… وقد ذكرت امرأة كندي رئيس أمريكا الأسبق، أنه كان لزوجها بين مئتين وثلاث مئة صديقة.

والصعاليك في العالم الغربي، لا الملوك، يستطيعون السطو على مئات الأعراض.

والذي يستحق الدهشة أن يدور الرجل بين جيش من العشيقات دون حرج، فإذا دار بين بضع زوجات، داخل سياج من الأخلاق المحكمة، وضع في قفص الاتهام… من زعماء الغرب الكبار وساستهم المشهورين، رجل له في ميدان الفاحشة قدم راسخة!… ومع استفاضة خبثه ونسبة الخنا إليه، فإن هذا لم يخدش شيئاً من عظمته.

كتب الأستاذ أنيس منصور يقول([3]): لم يكن غريباً أن يصدر في فرنسا كتاب عن نمر السياسية الفرنسية، جورج كلمنصو، (1841-1929م)، فهذا الرجل خاض في معارك سياسية مخيفة، واستطاع أن يتغلب على المجتمع، وكان قادراً على أن يتحدث إلى عشرين شخصاً في عشرين موضوعاً في وقت واحد.

ولم يكن أحد يتصور أن هذا الرجل كانت له ثماني مئة عشيقة، واستولد منهن أربعين ابناً غير شرعيين.

ترى كم الشرعيون الذين نسلم هذا الذئب؟!…

يقول أنيس منصور: لكنه عندما علم أن زوجته الأمريكية خانته، نهض عند منتصف الليل وفتح لها الباب لتهبط إلى الشارع بقميص النوم!..

ونعجب نحن، لماذا حرَّم الرجل على غيره ما استباحه لنفسه!..

يقول الصحافي المعلق: كلمنصو -مثل كل الذئاب البشرية- من أكثر الناس احتقاراً للمرأة. ولم يقل أحد في المرأة أسوأ ولا أبشع مما قاله هو، سواء على فراش اللهو أو على فراش المرض.

ومع ذلك فإن مساعد وزير الدفاع الفرنسي، أصدر كتاباً عنه، وقادة العالم الغربي يعدّونه من قممهم الرفيعة. لماذا؟ لأنه زنى ولم يتزوج.

إن الزنا شيء يسير، أما التعدد فمنقصة تهوي بصاحبها، ولو كان من العباقرة. هذا هو التقليد الذي أرسته الصليبية وباركته وتريد إشاعته بيننا!!..

لقد ارتفع نبي الإسلام بمعنى الزواج ارتفاعاً يستحق التنويه، فهو ليس سطوة رجل قوي على أنثى ضعيفة، إنه عقد حر بدأ وتمّ بإذن الله وفي ضمانه.

وعندما خطب رسول الله r الناس في حجة الوداع قال: «اتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله».

ولهذا العقد طبيعة مادية وروحية، أرضية وسماوية، والبيت القائم عليه عامر بالسكينة والمودة والتراحم.

ولهذا العقد كذلك طبيعة اجتماعية، تتيح للنماء البشري أن يمتد فيه زاكياً مهدياً) ([4]).

***
متى تكون شرعة التعدد نافذة؟

ومع كل هذا فإن الشارع جلَّ جلاله قيَّد شرعة تعدد الزوجات بطائفة ثقيلة من الشروط، كما قد ألمحنا في أول هذا البحث، فشرط لذلك أن يفرد الزوج الزوجة الثانية بسكن لائق مستقل، وأن يساوي بين الزوجتين في الإنفاق، وأن يساوي بينهما في المبيت، وأن يساوي بينهما في المعاملة التي تدخل فيها المحادثة والمباسطة وأساليبها…

والحكمة من ذلك: أولاً أن تتغلب العدالة في علاقة الزوج بزوجيته، على مشاعر الغيرة التي من شأنها أن تنجم بينهما، وأن توجهها إلى تسابق إيجابي لكسب مودة الزوج، ومن ثم لإشاعة أسباب السعادة في البيتين.

والحكمة الثانية أن لا يقدم على التعدد إلا من قد دفعته الضرورة إليه. وذلك بأن يعاني من ظروف وأسباب تدفعه إلى ارتكاب الفاحشة أو إلى تطليق زوجته الأولى وتحطيم بيته وتشتيت أسرته، إن لم يلجأ إلى البديل الذي لا بديل عنه وهو التزوج بزوجة أخرى.

ذلك لأن الذي يهوى أن يعدد، ترفاً ودون ضرورة، سيجد نفسه محملاً بأثقال من شروط الإنفاق والمعاملة، تذهب جدوى ترفه وتنغص عليه أحلامه التوسعية التي لا ضرورة لها… أما ذاك الذي تقوده الضرورة ورغبة الفرار من الوقوع في مقت الله وعقابه، فإن من شأن هذه الضرورة أن تخفف من أعباء هذه الشروط في حقّه، وأن تجعله يشعر بأن تحمله لهذه الشروط أيسر وأقرب منالاً، من مصيبة انزلاقه إلى ارتكاب الفاحشة أو تحطيم حياته الزوجية وتمزيق علاقاته الأسرية.

ومن هنا كانت نسبة تعدد الزوجات في سائر البلاد العربية، في السنوات العشر الماضية، لا تزيد -حسب إحصاءات الجامعة العربية- على 7 إلى 10 في الألف.

وغني عن البيان إنما نتحدث عن التعدد المشروع الذي يبيحه ويبرره شرع الله عزّ وجلّ. ولسنا معنيين بشيء مما قد يشرد وراء حدود شرع الله عزّ وجلّ، وإن كان يسمى هو الآخر تعدداً.

أي إن الإسلام لا يتحمل مسؤولية من قد يرتكبون من خلال إقدامهم على التعدد، موبقات قد لا تقل خطورة في ميزان الإسلام عن الانزلاق في الفواحش أو اللجوء إلى الطلاق. كالذين يلجؤون عن طريق التعدد إلى هجران زوجاتهم اللائي قد تبرموا بهن… أو كالذين يفاضلون في المواصلة أو في الإنفاق… إن الذي يتحمل مسؤولية هذه الموبقة إنما هو القضاء الإسلامي الذي يجب عليه أن يتعقب هؤلاء الجانحين بل المجرمين، لا الإسلام الذي شرع من التعدد صمام أمان ضد مثل هذه الموبقات.

تنويه: تعليقات الزوار الكرام المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط ولا تعبر عن رأي موقع هسا بتاتاً.
يرجى الحفاظ على مستوى المشاركه في التعليقات وعدم تعدي الحدود او المس باشخاص او التعليق بما ليس له علاقة بالموضوع المنشور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.