شاركونا بأخباركم! اضغط هنا ...

في مثل هذا اليوم سنة 1941

محرر الخبر: موقع هسا | تاريخ النشر: 13 مارس, 2014 | القسم: مقالات وشخصيات

darwish

في مثل هذا اليوم سنة 1941 ولد محمود درويش:

بقلم: ب. فاروق مواسي

تحاول هذه الدراسة أن تستقرئ أسباب شهرة محمود درويش حتى أصبج المثقف والعادي يتغنى به، فهل هو وطني بشكل لا يضاهى؟
وهل هو مبدع شعريًا بحيث لا يجارى؟
وهل؟ وهل؟

هذه الدراسة إذا قرأتها في سطورها وبين سطورها وما وراءها فستجد أن هناك أسبابًا مجتمعة لا انفصام لها أوصلته إلى هذه السيرورة والشهرة، وجعلتنا جلنا إن لم يكن كلنا نعتبره (مالئ الدنيا وشاغل الناس) ،
* نشرتها في كتابي “محمود درويش- قراءات في شعره”. كفر قرع: دار الهدى كريم- 2001، ص 5-9، فإلى الذين طلبوها أقدمها، وأرجو أن تحفظوها إذا رغبتم:

المالئ الجديد للدنيا والشاغل للناس
محمود درويش – المتنبي الآخر

مع صحبتي له ولشعره- صحبتي له في بضعة لقاءات لا تتجاوز أصابع يد، وصحبتي المتواصلة لكتابته مع حروف له أو عنه- كنت أتساءل من قبل ومن بعد:
ما سر هذا التألق؟ هذه الشعبية؟ هذا الاستقبال الحقيقي والمجازي؟
كيف تسنى للكلمة أن تجد لها من يضفي عليها طابع القداسة- مع تباين في مستويات المتلقين وتأويلاتهم؟
يوم أن شاركت في جنازة الشاعر المَهيبة شاهدت بأم عيني دموعي ودموع الناس، وساعة أن حملوا جثمانه تمنيت أن يحمله الشعراء وأرباب الحروف، ولحظة كان صوته المسجل يقرأ كان خشوع، وكنا وكأن على الرؤوس طيور الحزن، تتلو بصمت قصائده.
تابعت ما ينشر عبر الإعلام الورقي والصوتي والمشهدي والألكتروني، تصفحت أو شاهدت أو أنصتّ لجل ما قيل في الغائب الحاضر: آلافًا مؤلفة من النصوص بصدقها وأصالتها أحيانًا، وبتدبيجاتها وبغلوها أحيانًا كثيرة. وندر بين الأدباء من لم يدل بدلوه – من المحيط إلى الخليج- ، ليعبر كل بأسلوبه عن فداحة الرحيل، وتنافس الشعراء والكتاب والسياسيون في تلاوة آيات الأسى والشجن.
سألني من سأل:
ماذا؟ ولماذا؟ وما سر هذا التيار الهادر في محبة هذا الشاعر؟
هل هو تقدير للشعر؟
إن كان ذلك كذلك فمعنى هذا أن شعبنا يقرأ، ومجتمعنا مثقف، ويحب الشعر ويستمع إليه، ويتابع النصوص، وهذه الألوف المؤلفة يوم جنازته تقدر الشعر في شخص الشاعر المميز.
هل هو تقدير للوطن؟
إن كان ذلك كذلك فمعنى هذا أن الناس وطنيون، شغلهم الشاغل الأرض وفلسطين، وهذه الألوف المؤلفة تتلاقى عند وطنيته، وذلك في ظل تخوينها لبعضها البعض، فلدى درويش القول الفصل وطنيًا وموقفيًا، والناس يرون فيه العنوان، وأشعاره حتى وإن تحفظ هو من إضفاء صبغة عليها فهي شاء أم لم يشأ الفلسطينية الهوية، والمعبرة عن الصوت الجمعي. وسيظل هو الشاعر الوطني حتى لو دفع شعراء آخرون ثمنًا أبهظ لوطنيتهم سجنًا واعتقالاً وموتًا.

أجبت:
محمود درويش مالئ الدنيا بعد المتنبي وشاغل الناس، وثمة أكثر من سبب لذلك، تتوافى معًا، وتؤلف كلاً واحدًا، وسأجتهد في بيان ذلك:

* تحرر محمود من المواقف السياسية:

انتسب محمود في مطلع شبابه، وفي فترة محدودة للشيوعية، وهي الفترة التي ساهمت في انتشار شعره والتعريف به أسوة بكل الشعراء الماركسيين العالميين، وذلك عبر الترجمات والمهرجانات المحلية والدولية. من هنا نبدأ .
لكن محمودًا بعد أن قرر أن يهاجر لم يلتزم طويلاً لحزب أو لتيار سياسي عربي، وهذا ينبع لديه من موقف أدبي وفكري متعال، ولذلك رأيناه يعزف عن المناصب، فهو في الداخل وليس فيه، وهو ضد أوسلو ويعود إلى الوطن باتفاقياتها، هو مع عرفات وشاعره، ويتحفظ من اتفاقياته بحدة، ويدفع ثمنًا لذلك. هو يكتب وثيقة الاستقلال، ومع ذلك لا يريد البقاء في المجلس الوطني الفلسطيني، إزاء ذلك، وبسبب التباين الموقفي نجد أن كل حزب يجد أبياته
وأدبياته في شعر درويش، ويفسرها وفق منظوره. يعزز ذلك ما يلي

* عدم تقيد محمود بالتيارات الشعرية :

هو شاعر متجدد، شعره فيه السهل، وفيه الصعب المرتقى، فيه مراحل ومستويات وفي فترات، ويختلف القراء والنقاد حول أيها أجود، غير منكرين حق الشاعر في التعبير عن نفسه بطريقته، فإذا لم تعجبك” أنا يوسف يا أبي” مثلاُ، فما يعجبك من قصائده عشرات غيرها. وهذا التباين في كتابات الشاعر أدى إلى تباين في التلقي، وهذا التباين أدى إلى منافسة بين القراء وبين النقاد.
لم يعاد محمود أي تيار شعري، فهو مع كل تجديد، ويتحفظ أحيانًا من خلو شعر النثر من الموسيقا، مع أنه يصادق شعراء قصيدة النثر، بل ينشر في الكرمل – مجلته – ما يختلف عن منظوره الشعري؛ وهو من جهة أخرى مع الحداثة ومع الكلاسية والرومانتية والواقعية والسريالية على اختلافها، وصولاً إلى النثرية الفنية.
هو يقف بعيدًا عن المعارك الأدبية رغم أنه يصاب كثيرًا من رشاشها ومن التطاول عليه، لكنه يظل أنوفًا من الرد وكيل الصاع أضعافًا. ويظل رأيه في أن هذا الاختلاف نابع من إيمانه بالشعر وحده، فاعطني شعرًا، ولا يهمني كيف؟
يعزز ذلك تحليه بـ (الكاريزما).

* الكاريزما أو الجاذبية:

لا يستطيع الفاحص أن يتبين تمامًا سر هذه المهابة البالغة التي تُضفى على سياسي مثلاً، فينسى الناس معايبه وأخطاءه، ويتركزون على كل صغيرة في حياته ينسجون منها أروع ما يحبون قولاً وفعلاً وصلاة . هل هي حاجة متأصلة لدى الناس يبحثون لهم بين الفترة والأخرى عن سياسي أو فنان أو بطل لينشدوا له أجمل التراتيل.
سأترك دواعي ذلك لعلماء الاجتماع ولخبراء علم النفس الاجتماعي، ولكني موقن أن الفرد لا يستطيع أن يجاهر برأيه إذا كان مخالفًا لجماعة متعصبة، فإما أن يسكت، وإما أن يخفف من حدة رأيه حتى يسلم. وحكاية الأعرابي الذي زار حاتمًا ولم يكرمه معروفة، فاضطرار الأعرابي لأن يقول إن حاتمًا أكرم وفادته هي كحكاية دكتور للأدب العربي في جامعة بير زيت الذي استمع إلى قصائد للشاعر، فاضطر إلى الحديث عنها بإعجاب متناه، بعد أن كان يتعسر منها، لئلا يتهم في ذكائه وفي تذوقه للشعر.
استطاع محمود أن يصل إلى القلوب لشخصيته التقبلية الحميمة، فهو قريب وبعيد في نفس الآن، وإذا طلب على قلة ما يطلب تحس كأنك مسؤول عن تلبية طلبه، وإذا دمعت عيناه أبكاك أكثر، فهل هذا بسبب الغربة؟

* الغربة وتأثيرها:

ترك محمود وطنه وهو في ريعان شبابه، وقبل ذلك هُجّر من بروته وهو صبي. تنقل من منفى إلى منفى، وعانى ما عانى، وحفظ الناس روايته، فرأى الناس أنهم أمام حزن ومعاناة، بل مأساة، تجسمت في أوجها لدى رحيله الفاجع. وتوازت أو تماهت قضيته بقضية الوطن، فكانت كتابته تعبيرًا مباشرًا أو غير مباشر عن هذه القضية، فحضوره إذن تمثيل للوطن، حتى لو أراد هو لشعره أن يُنظر إليه مستقلاً، وبمعايير الشعر الفني فقط.
ومع ذلك فليس كل غريب عن وطنه يجد هذه الأصداء المتجاوبة، ولكن محمودًا وجدها بسبب خُلقه وخَلقه.

الخَــلق والخُـــلق:

هو جميل ووسيم في حضوره، فيه هدوء الصخب، وصخب الهدوء، وفيه تواضع بكبرياء وكبرياء بتواضع.
هو أنيق في ملبسه ووسيم في شكله، شاب في روحه، لا يعرف معنى للتعصب، يحب الحياة، وبعيد عن الحقد، بل يترفع عن الرد على الكيد.
وكما ذكرت فهو قريب وبعيد معًا. من هنا كان له محبون أكثر. وقد ترك الحوار حوله وحول شعره للآخرين دون أن يتدخل. لذا وجدت هناك من يحبه، بل من تعشقه، ومن يعشق سلوكه وطيبته. يضاف إلى ذلك أداؤه الشعري المميز.

الأداء الشعري:

يظل إلقاء محمود لشعره مؤثرًا، وتظل شخصيته مثيرة جدًا لدى المتلقي، فالشاعر يعرف كيف يحاور الكلمة ويداورها نغمًا وتوقيعًا وأثرًا- حتى لو لم تكن مفهومة لدى المتلقي، فهي تعبر عن صدق ملموس يمطر به مطرًا ناعمًا في جو ثقافي، أو فكري أو نفسي متواصل. يتواصل بموسيقا يجدها كل متلق وفق ذوقه. وقد خلب إلقاؤه ألباب السياسيين أيضًا على قلة اهتمامهم بالثقافة والشعر، فكنت تجد بعضهم في الصف الأول لسماعه.

اهتمام السياسيين بشعره :

ليس هناك من شاعر حرص السياسيون في السلطة الفلسطينية وفي العالم العربي أن يستمعوا إليه يماثل درويش، بل إن هذه الجنازة، وبمن شارك فيها، وهذه الحفلات التأبينية، والإصرار على إخراج الوفاة وكأنها جزء من نشاط وطني فلسطيني، وبمشاركة فعالة على جميع الأصعدة- في جميع مواقع الفلسطينيين جعلت الشاعر وكأنه جزء لا يتجزأ من فعاليات الأحزاب أو السلطة. ويبدو أن محمودًا في السنوات الأخيرة كان قريبًا من جميع أصحاب النفوذ في العالم العربي ولدى الفلسطينيين، فلم ينشر في دواوينه ما يمكن أن يُفهم منه أنه هاجم به نظامًا من أنظمة الحكم العربي، مع أنك تجد هنا وهناك غمزًا لذا أو لذاك. وكانت علاقاته بقادة العرب في الداخل جيدة على اختلافات بينهم، فوجد كل منهم في الشاعر صوته وصوت منهجه السياسي والحزبي، بل رأى اليسار الإسرائيلي أنه شاعر إنساني وليس عدائيًا، وليس أدل على ذلك من بعض قصائده التي أثارت أكثر من نقاش.
كل هذه الأسباب معًا جعلت محمودًا مالئ الدنيا كجده المتنبي وشاغلاً للناس، وهذا لا ينفي مقولة من يرى أن السبب كامن في شاعريته فقط، أو في تمثيله للقضية، أو… لكني أرى أن الشاعر سطر اسمه في تاريخ الأدب بسبب هذه كلها معًا.
إننا نذكر اليوم المتنبي بعد ألف عام ونيف يومًا بعد يوم، وستذكره أجيال لاحقة جيلاً بعد جيل، بل إن الشعراء قديمًا وحديثًا يختلفون فيما بينهم في مقاييس الشعر ومعناه، لكنهم يتفقون أن المتنبي هو الشاعر الأبرز. وهكذا سيرفع الأدب لدرويش ذِكره، ففي تقديري أن درويش سيُدون في أنصع صفحات الأدب العربي إلى ما بعد ألف عام، وستذكره أجيال لاحقة جيلاً بعد جيل، فنان صياغة، وعاشق أرض، وصاحب رؤيا، وفي تقديري أنه سيتفق الشعراء والنقاد عليه حتى لو تفرقت بينهم السبل.

تنويه: تعليقات الزوار الكرام المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط ولا تعبر عن رأي موقع هسا بتاتاً.
يرجى الحفاظ على مستوى المشاركه في التعليقات وعدم تعدي الحدود او المس باشخاص او التعليق بما ليس له علاقة بالموضوع المنشور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.