شاركونا بأخباركم! اضغط هنا ...

رحلتي في رحاب لغتي

محرر الخبر: موقع هسا | تاريخ النشر: 24 ديسمبر, 2013 | القسم: مقالات وشخصيات

ب. فاروق مواسي

الحلقة الثانية من “أقواس من سيرتي الذاتية”

قلت: نحن العرب في هذا الوطن نصارع يوميًا في سبيل الحفاظ على أسباب حياتنا وتطورنا، إذ نصطدم بواقع مغاير – واقع متحرك دينامي في المجتمع الإسرائيلي، وعلى لسانه لغة تحاول أن تأخذ من حضارتي وتراثي الكثير من فولكلور وألفاظ وآثار، حتى وصلنا بسبب هذه القوة الحضارية – اعترفنا أم لم نعترف – إلى أن هذه اللغة أخذت تقحم الجملة العربية، بل تتداخل في نسيج التعبير، وأضحى شبابنا ومثقفونا (من محامين وأطباء واختصاصيين وتكنولوجيين) يكررون على مسامعنا كلمات هي بالعبرية المهيمنة.

هزني ذلك فكتبت مقالتي اللغة” العِـرْبِـية” عن اللغة التي لا هي عربية تُعرف، ولا عبرية تُفهم، فالأولاد يأخذون (البيجديمات)= ملابس البحر، واشتروا (كرطيسين)= بطاقتين، وقس على ذلك.

حاولت أن أقدم حلولاً افتراضية للخروج من هذا الخلط، أو على الأقل للتقليل منه.
وفي ظني أن المبادرة التي قمنا بها نحن بعض عشاق اللغة – تدل على الغيرة اللغوية، حيث قررنا أن نقيم جمعية لغوية، عُقدت أولا في عبلين في أواخر الثمانينيات، ثم التأمت ضمن اللجنة العليا اللغة العربية، وأعضاؤها هم – مع حفظ الألقاب:-
سليمان جبران وفهد أبو خضرة وخولة السعدي ومحمود أبو فنة وجورج قنازع ونزيه قسيس وجميل غنايم وإلياس عطا الله وفاروق مواسي.
وقد كانت لنا جلسات كثيرة تخللتها نقاشات جادة وأحيانًا حادة. وتمكنا من إصدار ثلاثة كُتيّـبات، فيها ترجمات لمصطلحات وتعابير تسعف الكاتب في كتابته.

ثم أخذ الأستاذ موفق خوري – مدير دائرة الثقافة العربية – يدعم مجمع اللغة العربية في البلاد، وكلفني أنا والأستاذين حنا أبو حنا ونايف خوري (كانون الثاني 2001) بأن نسافر إلى القاهرة – إلى معرض الكتاب)، وكان لنا في القاهرة لقاء مع د. شوقي ضيف رئيس المجمع الذي حدثناه عن الفكرة، فوجد أن تحقيق الاعتراف بنا عسير، بسبب أن هناك مجمعًا فلسطينيًا آخر قد ووفق عليه. (من العجيب والطريف أن هذا الشيخ الهِـمّ كان يقرأ بدون نظارة) – وكان لجمال مراد سكرتير المجمع فضل في التقليل من عبثية اللقاء، فأهدانا بعض الإصدارات، وأهديته شخصيًا بعض نتاجي، ومنه مقالة لغوية لي حول (الاسم المقصور) نشرت في مجلة (جامعة) – العدد الأول 1997- باقة الغربية.

عكفنا الأستاذ حنا وأنا على تدبيج رسالة شرحنا فيها ضرورة أن نجد لنا سندًا وعضدًا، في ظروفنا أو على الأصح في ظروف لغتنا، ولا أدري إن ظلت رسالتنا في طوايا الملفات والنسيان. ومع ذلك، تأسس المجمع وعقد جلساته الأولى للتداول في الدستور.

كان لي حلم آخر:
فقد عهدت لي كلية الشريعة في باقة حيث كنت أرأس فيها قسم اللغة العربية بأن أؤسس (مركز اللغة العربية)، وذلك لتشجيع الأبحاث اللغوية، والنية معقودة كذلك على الاهتمام بوسائل تدريس اللغة في فروعها المختلفة، وقد رأست المركز وأصدرت كتابين تحت عنوان” دراسات وأبحاث في اللغة” (2004، 2005).

لعل لي حلمًا آخر يتحقق – وهو تبنّي صف متميز من المتفوقين في العربية من طلاب الصفوف العاشرة (من جميع المدارس الثانوية العربية)، بحيث يدرسون يومًا في الأسبوع في الكلية دروسًا إضافية في اللغة والأدب، كل ذلك لإعدادهم بأن يكونوا باحثين ومحاضرين في دور المعلمين والجامعات، ونحن بحاجة ماسة لإكمال ما كان قد بدأه الرعيل الأول، هذا الرعيل الذي أعطى الكثير، ولكن الزمن يغير عليه بالشيخوخة – اعترفوا أم لم يعترفوا.

ثم جرت مياه كثيرة في الأنهار، وإذا بي اتصل بعضو البرلمان غالب مجادلة، وأدعوه ليأخذ موضوع المجمع على محمل الجد، وأن يعمل على استحصال ميزانية مع اعتراف رسمي، فتحقق له ولنا ذلك في 21 آذار 2007، وانتخبت لأكون عضوًا في أكثر من لجنة، كما انتخبت لأرأس لجنة المصطلحات والألفاظ.

بيد أن مجمعًا آخر تأسس متزامنًا في أكاديمية القاسمي- هو مجمع القاسمي للغة والأدب- يرأسه الدكتور ياسين كتاني، وكنت فيه عضو لجنة الأبحاث.

حاول المجمعان أن يبديا عدم الرضا من كوني “أرقص في عرسين”، لكني لم أقدم استقالتي من أي، بسبب أنني من المؤسسين للأول إن لم أكن المؤسس، ولأنني محاضر في القاسمي، حتى إذا ما عزب علي الأمر أردت بيني وبين نفسي أن أعلن عن تأسيس مجمع ثالث مؤلف من عضو واحد فقط.

كلفتنا وزارة المعارف نحن مجموعة من أساتذة اللغة العربية بأن نعد منهاجًا جديدًا لتدريس قواعد العربية، وكنت من الذين تحمسوا جدًا لفكرة إرجاء تدريس النحو إلى المرحلة الثانوية، وإلى التخلي عن أسلوب”النحو الواضح“ لأستاذينا علي الجارم ومصطفى أمين. وقد كتبت مقدمة كتب”الجديد“ للمرحلة الثانوية بتكليف من زميليّ د. فهد أبو خضرة و د. إلياس عطا الله، فقلت /قلنا:

“هذا الكتاب يقدم منهجًا جديدًا لتدريس القواعد، فيه اجتهاد في ترتيب المواد ودقة في تعريفها. ونحن لا نزعم أننا استحدثنا في المادة بقدر ما نؤكد أننا جددنا في أسلوب التدريس، وقد شملنا ما رأيناه ضروريًا فيسّرنا، معتمدين الأهم والأعم، والأجود والأفيد.

رأينا أن نتناول وظيفة الكلمات في الجملة كالفاعل والمفعول به في الدراسة، مرجئين مسائل الإعراب إلى المدرسة الثانوية، وذلك لأننا أيقنّا صعوبة الإعراب لدى الناشئة، بل إن معظم الكبار لا يبقون منه إلا ذكريات مريرة وجهلاً مطبقًا بالقراءة المثلى.

ومن مظاهر الجدة أننا اعتمدنا النص مفتاحًا للدرس، وغالبًا ما يكون تراثيًا، ليفيد الطالب من مضمونه، ويجيب عن أسئلة فهم المقروء، ولا بد منها بادئ ذي بدء.

لم نغفل لحظة أن غايتنا الأولى والأخيرة أن نضبط كلامنا بالشكل، فكثرت التمارين الوظيفية ملائمة لمعرفة الطالب، ومواكبة لمسيرته، وقد اعتمدنا على أشعار العرب- قديمها وحديثها.”

(انظر مثلا مقدمة: الجديد في قواعد اللغة للصف العاشر)

ولا شك أن للصديق د. محمود أبو فنة يدًا طولى في المناهج الجديدة للغة والأدب، وهو يدعوني للاشتراك الفعال فيها، وقد قمنا بشبه ثورة في مناهج الأدب العربي كذلك، إذ أخذنا ندرّس الألوان الأدبية من قصة ورواية ومسرحية وشعر حديث ومنه الشعر الفلسطيني (المحلي)، كما اخترنا نصوصًا أدبية تمثل اتجاهات أدبية متباينة، وتمثل عصورًا مختلفة.

على إثر هذا المنهاج الذي أقِر في الثمانينـيات أصدرتُ كتابين مساعدين لتحليل النصوص أتيت على ذكرهما في سيرتي الذاتية هذه في حديثي عن تجربتي النقدية، وفي ذكري مواضيع أخرى.

ثم عكفنا على إعداد منهاج جديد آخر للأدب يلائم القرن الحادي والعشرين بمستجداته المتباينة، ويتلافى ما نقص من المنهاج الأول، بل يكون في عدد من الوحدات. ولا شك أن اللجان المختلفة التي تعهد لنا وزارة المعارف بها من شأنها أن تحرك وتحفز، ومن يدري فقد نكون بنينا لبنة في صرح اللغة، أو على الأقل أخلصنا لها، وحرصنا عليها ما وسعتنا الحيلة.

كنت وما زلت أنفر من التنطع وفضفاضية العبارات في دائرة الخواء، فقلت منتصرًا للغتي يوم أن سـيقـت للتمسح على الأعتاب:

– تبا للغة المبتذله
لغتي بيعت في سوق الأوحال
تبا للغة المسبـيــّه
لقحها عبد الشهوات الدجال
كفرًا بالإنشاء وبالأفعال وبالأسماء
كفرًا إن نأسن في هذي الحال

(تنويعات منا فينا، المجموعة الكاملة،المجلد الأول، ص176)

كنت وما زلت أنفر من هؤلاء من الذين يهاجمون الجديد، لا لسبب إلا أنهم لا يعرفون أو لا يألفون ما استجد، ولقد أوذيت إثر ذلك، واتُّهمت في لغتي؛ فوقف بعض الزملاء متصدين لمنهاج القواعد الجديد، وللكتب التي أعددناها، وكأنهم الذادة عن اللغة المنافحون لرد “الكيد” الذي يراد بها، وقد استمعت إلى دعواهم أو دعــاويهم، فما أبانوا ولا أفصحوا، بله لاكوا العبارات في أخطاء لغوية فاحشة… وصبري بالله.

وضقت ذرعًا بأخطاء ولحون يشترطها هذا” اللغوي” أو ذاك، فيجعل الأمر استبدادًا، أو على الأقل استئثارًا، أو على أقل الأقل منظارًا أحاديــًا.

ومن باب التيسير – تحمست لفكرة توحيد شكل كتابة الهمزة وجعلها (ئـ ) على نبرة في كل موقع. وقد وردت الفكرة أولا لدى بعض أهل المجمع اللغوي في القاهرة، وكتب في ذلك الأستاذ وديع خوري (البيادر – القدس – نيسان 1997، ص 19)، وعرض الأمر بشكل علمي الدكتور فهد أبو خضرة في مجلة المنبر (العدد الأول سنة 1989)، ثم كتبت أنا وبموافقة للطرح نصًا تجريبيـًا (العدد الثاني 1989)، فكان أن تجنّى بعض الزملاء الغيورين على ذلك، فوصف صاحب الاقتراح كتابة الهمزة بأنه” ذلك الغبي الذي ظن أن يستطيع أن يسهل الكتابة” (المواكب 78/1993)، وكأن التجريب محظور علينا، فمن نحن؟؟!! ويا سبحان الله!

واللغة وعاء الفكر، وهي بأهلها، وقد لا يروق البعض إذا غبطت العبرية على مرونتها….. وليس أدل على ذلك من صيغ التصغير فيها، أو بناء صيغة لأصحاب المهن، وخلق كلمات جديدة سرعان ما تشيع على الألسن وفي السطور، إذ أن لهم مجمعًا لغويًا لا مجامع، وهم لهم دولة ونظام لا دول وأنظمة.

ولكم عملت جاهدًا على تطويع لغتنا لكل مبتكر، وأن تكون لغتنا العلمية دقيقة المؤدى، ولها توصيل من غير حشو أو ترهل، وأن تكون العربية الميسرة على ألسنة طلابي، كما دعوت إلى ذلك في دورات الاستكمال التي قدمتها لمدرّسي اللغة العربية.

وأعتز كثيرًا بأنني لا أني عن تلبية أية دعوة فيها نصرة للغة، وذلك بالتطوع في إلقاء المحاضرات على طلاب المدارس الثانوية المختلفة، وقد كنت من المتحمسين الفعالين في”سنة اللغة العربية“ التي تقيمها المدارس بين سنة وأخرى، وحصلت على دروع (بالعشرات)، وعلى رسائل تقديرية من هذه المعاهد العلمية، وعلى ثقة المستفتين بالمسائل اللغوية، وليس أدل على ذلك من المكالمات الهاتفية التي تصلني تترى عن معنى هذا الاسم للمولود / ة، أو عن إعراب هذه الكلمة في هذا البيت، أو في الآية.

ثم إني كنت وراء المذياع أجيب (في مطالع السبعينيات) عن كل سؤال طلابي من مضمار اللغة والأدب فإذا بي – بعد أن توقف البرنامج – أجيب كل سائل عند معرفتي، أو أنقب في المصادر حتى أفيد أنا وأفيد الآخرين، وفي موقعي على الشبكة زاوية”اسأل فاروق مواسي” تدل على هذا التجاوب والتفاعل..

ما أكثر ما تعلمت من معاجم الأخطاء الشائعة للعدناني ومصطفى جواد وزهدي جار الله وإميل يعقوب! وما أكثر ما أتصفح” إصلاح المنطق” و” أدب الكاتب” و كتب الألفاظ والمعاني.

من طموحي أن يولي أهل الاقتصاد والاجتماع اهتمامهم برقي اللغة، فيجعلون وكدهم دعم التخصص والدراسة في خضم اللغة، حتى يبحثوا ويعملوا بجد لا تطوعًا واحتسابًا فقط. وما أروع العمل الجماعي إذا كان أعضاء المجموعة الدارسون يتحلون برحابة الصدر ورحابة الأفق معًا.

من طموحي كذلك أن نكثر من مشروع” سنة اللغة العربية” الذي اكتسب زخمًا خاصًا في السنة المدرسية 2010- 2011، فيكون بين الفينة والفينة وفي كل المواقع، حتى يفسح المجال لزملاء آخرين كي يتعبدوا في محراب هذه اللغة أو في جوب آفاقها. وسأسعد حقًا أن أرى أكثر من غواص يبحث عن صدفات اللغة، ويطلع علينا بالدر المكنون الذي يبهجه، فيتنافس الطلاب والكتاب في صنوف الآداب، فالعربية كما يقول عبد الحميد الكاتب”ثقاف ألسنتكم“، وها هي في عصر الحاسوب أخذت تصارع بحق وحقيق في سبيل بقائها على الأقراص.

فاثبتي يا لغتي!!

تنويه: تعليقات الزوار الكرام المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط ولا تعبر عن رأي موقع هسا بتاتاً.
يرجى الحفاظ على مستوى المشاركه في التعليقات وعدم تعدي الحدود او المس باشخاص او التعليق بما ليس له علاقة بالموضوع المنشور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.