شاركونا بأخباركم! اضغط هنا ...

بقلم زهير لحام – مؤامرة تفكيك الجيوش العربية

محرر الخبر: موقع هسا | تاريخ النشر: 26 أغسطس, 2013 | القسم: اخترنا لكم, الأخبار الرئيسية

بقلم: زهير لحام

المشهد المصري
قبل بضعة أيام أصدرت وكالة المخابرات الأمريكية السي آي ايه اعترافا رسميا، كان معروفا لدى الجميع بأنها هي التي ساهمت في خلع المرحوم محمد مصدق من رئاسة وزراء إيران في تاريخ 19 إغسطس عام 1953. وقد فعلت ذلك بعد أن طلبت منها المساعدة بفعل ذلك وكالة المخابرات البريطانية MI6 ليخلعاه في عملية مشتركة سميت بعملية أجاكس.

كان مصدق محاميا وبرلمانيا بارزا قبل أن يصبح رئيسا لوزراء إيران عام 1951، حيث أدخلت إدارته إصلاحات اجتماعية وسياسية واسعة، مثل الضمان الاجتماعي وتنظيم الإيجارات واستصلاح الأراضي. ولكن تأميم صناعة النفط الإيرانية كانت النقطة الأبرز في سياسة حكومته، حيث كان البريطانيون يسيطرون عليها منذ 1913 من خلال شركة النفط الأنجلو-إيرانية (APOC / AIOC) (سميت لاحقا بإسم شركة النفط البريطانية أو BPK فقد سببت عملية التأمين تلك إقصاءه من رئاسة الحكومة في إنقلاب عليه يوم 19 أغسطس 1953 بعد إجراء استفتاء مزور لحل البرلمان.

لم يكن في ذلك الاعتراف أي جديد، فالمؤامرات الغربية على الدول العربية الإسلامية وكل دول العالم الثالث تشغل اهتماما شديدا وبالغا دائما، إذ من خلال هذه المؤامرات يحاول العالم الغربي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، تنصيب مَن يخدم مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية في المناصب التي من خلالها يتم اتخاذ القرارات في تلك الدول، وكل ذلك يعمل بالطبع لصالح إسرائيل.

من أهم المؤامرات التي يعمل الغرب عليها بشكل دائم هي إنشاء حركات دينية، فتعمل على تقويتها لتستطيع السيطرة على المجتمع الذي تنشأ فيه، فبواسطة الدين يكون من السهولة بمكان السيطرة على الأغلبية المجتمعية، فالمجتمعات العربية والإسلامية تغُط في سبات عميق منذ مئات السنين، والحركة الثقافية فيها شبه معدومة حتى لدى الطبقات المُتَعَلٍّمة، فأمة “اقرأ” لا تقرأ.

في هذا المناخ والجهل والتخلف، يسْهُل إنشاء حركات دينية تدغدغ العواطف لدى عامة الشعب من دون إبداء أية تساؤلات، يكفي أن يدعو خطيب المسجد، أي مسجد، جمهور المصلين قائلا: عودوا إلى الله، حتى يظن أولئك المصلون أنّ هذا الخطيب هو المهدي المنتظر. هل سأل أحد المصلين ذلك الخطيب عن كيفية العودة إلى الله ليصبح حالنا أفضل؟ هل أعملَ أحد المصلين عقله فيما إذا كان ذلك الخطيب يقوم بعبادة تقربه إلى الله أكثر من باقي العباد وليدلنا عليها؟

لقد سألت أحد المتأسلمين ذات مرة إذا ما كان نفد مفعول الآية الكريمة “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”، فما كان من ذلك المتأسلم إلا أن استشاط غضبا ليتهمني أنني أتجرأ على الاستهزاء بالآيات الكريمة. والحقيقة أنّ غالبية الناشطين في الحقل الديني غير الدعوي يحاولون جاهدين عدم تلاوة هذه الآية أمام مريديهم؛ لأنها تطالب المسلم أن يفعل ما يقول.

كفى هراءً أيها الناشطون في مجال الدين والدعوة، لقد ثبت وبالوجه القاطع أنّ نشاطكم ودعوتكم إنّما هدفها المصلحة الخاصة والتربح، إلا من رحم ربي. إن مدرسة يكون طلابها في نهاية المرحلة التعليمية فاشلين في الغالبية إنما يكون ذلك من فشل المدرسين والمعلمين أولا وأخيرا ولا تنفع التبريرات المختلفة لذلك الفشل.

إن آلاف المساجد تنتشر في جميع أنحاء العالم، وفي كل مسجد تُلْقى خطبة الجمعة من كل أسبوع، وكذلك تُلْقى ولو موعظة واحدة في كل مسجد، فأين تأثير آلاف الخطب والمواعظ الأسبوعية تلك؟ ناهيك عن مئات الفضائيات الدينية التي تعمل على مدار الساعة، ومع كل ذلك العالم الإسلامي الذي تسيطر عليه الشعارات فقط يسير القهقرى.

فرغم وجود أعظم الدساتير، ألا وهو القرآن الكريم، منبع تعاليمنا، فلماذا نحن في نهاية الصف بين الأمم؟ أيكفي أن ندعي أنّنا مسلمون؟ إن الإسلام أيها القارئ الكريم هو دين عبادة وعمل، وليس دين شعارات ودجل، فليتق الله كل مَن يدعي أنّه يعمل في الدعوة الإسلامية، وليُراجع عمله أولا، ثم فليأت إلى المسلمين ليكون مثالا في عمله وعطائه وإخلاصه، وألا يكتفي بالخطب الرنانة.

من أهم أهداف المؤامرات التي يحيكها الغرب ضد العرب والمسلمين هو تفكيك الجيوش العربية؛ كي لا تشكل خطرا على إسرائيل أو على المصالح الغربية، ومن أجل ذلك يعتمد الغرب على دفع الحركات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، كي يعتلوا سدة الحكم في بلادهم. وبما أنّه حسب فكر الإخوان المسلمين لا توجد أهمية للحدود الدولية لكل دولة فلا يهمهم مثلا أن تتجزأ دولة ما، مثل مصر مثلا، إلى عدة دويلات، الشيء الذي يؤدي حتما إلى انحلال وتفكيك جيش تلك الدولة.

بدأت خيوط هذه المؤامرة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، عندما بدأ الإنجليز ينسحبون من منطقة الخليج العربي، وكأنّهم يمنحون تلك الدول استقلالا، فأنشؤوا دويلات على شكل إمارات غنية بالنفط ضعيفة عسكريا، لا تستطيع حماية نفسها، الشيء الذي يحدو بها لعقد اتفاقية دفاع مشترك مع المستعمر السابق لها لحمايتها، أو أنّ المستعمر السابق يهب لوحده لحماية تلك الدولة\الدويلة في حالة تعرضها لخطر خارجي يهدد مصالحه فيها.

في كل فترة زمنية تستحدث الدول الغربية طرق جديدة لإرساء قواعدها في مستعمراتها السابقة. رأينا ذلك في عهد نهوض القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبالتحديد منذ اندلاع ثورة الضباط الأحرار في مصر حتى حرب 1967، حين هزمت إسرائيل كافة الجيوش العربية، وحينها سجد قسم من الإخوان المسلمين في مصر شكرا لله على تلك الهزيمة!!! بعدها ظهرت وبقوة القضية الفلسطينية والتي لم تغب عن الساحة أبدا، لكن قوة ظهورها هو المتغير الوحيد بين فترة وأخرى.

وعندما صممت مصر إعادة أراضيها المغتصبة كان لا بد لها أن تحرك الوضع عسكريا حتى يضطر صانعو القرار في الغرب أن يتحركوا للتأثير على إسرائيل، فنشبت حرب أكتوبر عام 1973 لتتم بعد بضع سنوات زيارة الرئيس المصري المرحوم أنور السادات إلى إسرائيل، ويتم عقد اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل تستعيد مصر من خلالها كل أرض سيناء التي احتلت عام 1967، ولتكون هذه أول اتفاقية سلام مباشرة بين إسرائيل ودولة عربية.

أثارت اتفاقية كامب ديفيد الكثير من الجدل بين أوساط العرب جميعا، وقسم منهم اعتبرها خيانة من السادات نحو الأمة العربية، ولنترك هذا الجدل ونركز فقط على استخلاص العبر من هذه الاتفاقية، إن كان من قبل الغرب وإسرائيل أو من قبل العرب أنفسهم.

بما أنّ حرب أكتوبر كانت قد وحّدت الأمة العربية، حتى أن المملكة العربية السعودية استعملت سلاح النفط وفرضت حظرا على تصديره إلى الغرب، ولأول مرة بدأ المواطن البسيط في الدول الغربية يعرف قيمة النفط العربي؛ لأنه أصبح يعطل سيارته مرة واحدة في الأسبوع على الأقل للتقليل من استهلاك البنزين، وكان حظر النفط هذا قد أعطى شهادة شرف للملك السعودي آنذاك جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز.

وقد تكرر المشهد نفسه من السعودية ولكن بمساعدات مالية لمصر بعد تهديد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بمعاقبة مصر بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة خلال شهر أغسطس من هذا العام وسنعرض لذلك لاحقا.

بعد حرب عام 1973 واتفاقية كامب ديفيد في نهاية السبعينيات من القرن الماضي بدأ الغرب وإسرائيل يرسمان خطة تستهدف إضعاف الجيوش العربية، إن لم يكن تفكيكها، كي لا تعود تشكل خطرا على إسرائيل والغرب. وأول استغلال لتلك الخطة كان بعد نشوب الثورة الإيرانية بقيادة المرحوم آية الله الخميني ليعلنها جمهورية إسلامية، ويعلن معاداته لأمريكا وإسرائيل صراحة.

فما كان من الغرب، وخاصة أمريكا، إلا أن يشجع العراق بقيادة المرحوم صدام حسين على غزو إيران لينهك الواحد جيش الآخر في هاتين الدولتين الإقليميتين، وعلى الأقل لن تقوم قائمة لأحد هذين الجيشين، وبدأت أمريكا تمد الطرفين بالسلاح. بالنسبة لإيران كان الأمر سرا حتى انفضاح الأمر بقضية ما سمي “بإيران جيت” أيام الرئيس رونالد ريغين.

ثم جاء التحالف الأمريكي الطالباني حين أراد الطرف الأخير طرد المستعمر السوفييتي من أفغانستان، فاستعان بالأمريكان، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار، وكلنا يعرف ما فعلت أمريكا في أفغانستان حين غزتها، احتلتها ودمرتها اقتصاديا وعسكريا عام 2003 بحجة حربها على الإرهاب، ولا داعي لتفاصيل أكثر.

في ظل أجواء الحرب ضد السوفييت في أفغانستان تنامت حركات إسلامية متشددة ظانة أنّها تجاهد ضد الغرب ولنصرة الإسلام. والأهم من كل ذلك أنّ جماعة الإخوان المسلمين استغلت هذه الظروف لتقوي من قواعدها في شتى بقاع الأرض وتصبح حركة قوية جدا اقتصاديا واجتماعيا، وبدأت تنتظر فرصتها لتتولى الحكم في أية دولة يمكنها فعل ذلك فيها.

أما الغرب وأمريكا فأكملوا يدرسون خطط إضعاف وإفشال الجيوش والدول العربية والإسلامية، ودائما كانوا يقومون بوضع الخطط الجهنمية لذلك، والعرب لا يفعلون شيئا سوى أنّهم يدعون اكتشاف المؤامرة تلو الأخرى. ولأن جميع الأنظمة العربية كانت حتى الربيع العربي دكتاتورية لم تكن أنظمتها تفسح المجال أمام شعوبها لتأخذ دورها في الذود عن بلدها.

بعد الحرب الإيرانية العراقية، والتي استمرت ثماني سنوات، قامت أمريكا بتشجيع صدام حسين على غزو الكويت حين رأت رغبة لديه لفعل ذلك، فما أن فعل صدام ذلك واحتل الكويت حتى بدأت أمريكا تجمع ائتلافا عالميا، ضم قسم من الدول العربية، ضده وقامت بغزو العراق مرتين، مرة لإخراجه من الكويت والثانية لأنه يملك سلاح “دمار شامل” يشكل خطرا على السلام العالمي وعلى المنطقة برمتها، وقد كُشفت هذه الكذبة وثبت عدم صحتها. وفي أبريل من عام 2003 غزت أمريكا العراق تحت غطاء دولي وبحجج واهية وكاذبة، ولم تجد أية نقطة من أسلحة الدمار الشامل مما ادعت أنّه يملكه وهي تعرف أين يخفيه.

تفكك الجيش العراقي ودُمّر العراق، البلد ذو التاريخ العريق، وتم حتى يومنا هذا مقتل مليون مواطن عراقي، وأصبح العراق بلدا شبه معدوم، وكل ذلك وأمريكا تتشدق بالحفاظ على حقوق الإنسان واليونيسكو تدعي أنّها تحافظ على التراث التاريخي.

بعد احتلال العراق بسبع سنين بدأت تنطلق الثورات في العالم العربي، بداية من تونس ثم تلتها مصر وليبيا واليمن ثم أخيرا في سوريا، حيث انطلقت الثورة هناك يوم 15 مارس من عام 2011، ولا يزال مصيرها غامضا، وفقط نعرف أنها حصدت ما يربو على 130000 نسمة.

وهكذا تم تفكيك الجيوش العربية التالية: الجيش العراقي، الجيش الليبي، الجيش السوري والجيش اليمني الذي تُعاد بنيته بعد الثورة اليمنية. بقي من المخطط الشيطاني الغربي الصهيوني الرقم الصعب في الجيوش العربية ألا وهو الجيش المصري الذي يوجد على المحك منذ اندلاع الثورة المصرية يوم 25 يناير 2011. تجدر الإشارة هنا إلى أن تطوير العلاقة بين أمريكا والإخوان المسلمين بدأت بشكل ملموس منذ سنة 2005 تمهيدا لاستغلال اللحظة المناسبة للانقضاض على الجيش المصري، وسأخصص قريبا مقالا خاصا في هذا الموضوع.

لماذا هذه المقدمة الطويلة؟ إنّ ما دار ويدور في مصر، مصر الكنانة، منذ اندلاع ثورة يناير 2011 وانتهاء بعزل الرئيس المنتخب قانونيا وشرعيا على يد قائد الجيش المصري اللواء عبد الفتاح السيسي، وكذلك فض اعتصاميْ رابعة والنهضة يوم 12 أغسطس من هذا العام، وما حصل من أعمال عنف ودمار بعدها؛ يجعل الحليم حيران من كل ما جرى ويجري، لماذا؟

إن الكم الهائل من وسائل الإعلام، المقروءة والمرئية والمسموعة، تضخ لنا كل يوم كمًّا هائلا من الأخبار تجده متناقضا بين قناة وأخرى حول نفس الموضوع. فعن نفس الحدث تسمع الشيء وعكسه تماما، ولا تشابه بين محطة وأخرى، فكيف لي، المواطنَ البسيط، معرفة الحقيقة في بحر الإعلام هذا؟

إنّ كاتب هذه السطور لا يُؤمن بوجود إعلام محايد، ولا حاجة لإعلام محايد، لكن المطلوب هو إعلام صادق في نقل الأخبار، فنقل الأخبار بشكل كاذب من الممكن أن يؤدي إلى البلبلة والفوضى والفتنة، ومن الممكن أن يصل حد الجريمة، فالفتنة أشد من القتل. المطلوب من أية وسيلة إعلام، بل وواجب قانوني وشرعي عليها، نقل الخبر بصورة صادقة، حتى وإن لم يكن يعجب القائمين عليها، وألا تنشر الخبر قبل التيقن من صحته بعد ذلك تبقى لوسيلة الإعلام مساحة واسعة في التعليق على الخبر أو تحليله.

إنّ نقل الخبر بشكل مغاير للحقيقة ما هو إلا الكذب بعينه. نحن كمسلمين نعرف كم يتبرأ الإسلام من الكذب ويرفضه رفضا باتا. جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله: هل المسلم يسرق؟ فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم. فسأل الرجل: وهل المسلم يزني؟ فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم. فسأل الرجل: وهل المسلم يكذب؟ فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم: لا.

إنّ لهذا الحديث لدلالة كبرى على خطورة للكذب، فمن المحتمل أن يفعل المسلم كل خطيئة، كالسرقة والزنى وغيرها، ولكنّ المسلم لا يكذب. إنّ استعمال الكذب يمكنه أن يقوّض أركان مجتمع كامل، ولنأخذ مثالا على ذلك ما يجري في مصر. إن القنوات المؤيدة للدولة تقول: إن عدد القتلى نتيجة فض اعتصاميْ رابعة والنهضة لا يتعدى سبعمائة قتيل، بينما القنوات المؤيدة للرئيس المعزول تقول: إن العدد يفوق ثلاثة آلاف قتيل.

مما لاشك فيه أن مقتل أعداد هائلة من الناس، إن كان سبعمائة قتيل أو ثلاثة آلاف قتيل لهو شيء مفجع بكل المعايير، ولسنا هنا بصدد تبرير للقتل، بل بصدد نشر خبر مناقض كليا. فلا شك لدي أنّ إحدى الجهتين تكذب عامدة، وليس مهما الآن من هي الجهة الكاذبة، وسنحاول لاحقا تحديد تلك الجهة. وكي نبين ما نقول ولا يتهمنا أحد أنّنا نؤيد القتل إذا كان مغايرا لموقفنا فلنقرأ الآية الثانية والثلاثين من سورة المائدة، والتي تُرينا فجاعة قتل النفس، ولو كانت نفسا واحدة بغير نفس، كم بالحري قتل المئات.
“مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ”.

في تاريخ 3 تموز من هذا العام عزل اللواء عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة المصرية، الرئيسَ المُنتخب محمد مرسي من منصبه، وجمّد العمل بالدستور الذي تم الاستفتاء عليه في شهر ديسمبر من عام 2012. بعد هذا الحدث، والذي لا أقلل من شأنه البتة، قامت الدنيا ولم تقعد، فمؤيدو عملية العزل أطلقوا عليها اسم “استكمال ثورة 25 يناير” أو تصحيح مسارها، أما المعارضون فقد أطلقوا عليها اسم “انقلاب عسكري”.

في المرحلة الأولى ليس مهما لدينا مسمّى خطوة العزل هذه بقدر ما يهمنا عدم نشوب الفتنة بين المواطنين في هذه الديار.

فعندما أستمع إلى النقاشات اليومية، وما أكثرها، حول هذا الموضوع فلا أنكر أنّني أخاف على نسيج مجتمعنا من تلك النقاشات. فلا استعداد لأي طرف في نقاش الطرف الآخر بموضوعية، ولا استعداد لأحد أن يتناول هذا الموضوع من الناحية العلمية. وبما أنّني أخاف مما أرى وأسمع رأيت أن أناقش الموضوع بأمانة ومن الناحية العلمية، لأن ما يهمني في الأمر هو مصر وفقط مصر لما لها مكانة خاصة بين الدول العربية والعالمية، ولما لها من تأثير، ولو نفسي، على عرب هذه الديار.

كذلك يهمني أن أنصح جميع مُتلقي وسائل الإعلام أن يتحروا الحقيقة قدر الإمكان. وأود بادئ ذي بدء أن أصرح بأنني عشت وأبناء جيلي إما ثورة 1952، والتي أتت بجمال عبد الناصر إلى سدة الحكم، أو ما أنتجته هذه الثورة من الناحية القومية والوطنية، رغم أنّني أعرف أنّ الكثير من القراء سيزيدون غضبهم علي لا لشيء إلا لكراهيتهم لعبد الناصر، ولو سألتهم لماذا؟ يجيبونك: كفى أنّه قتل زعيم الإخوان الحديث سيد قطب رحمه الله، من دون أن تكون لديهم أية معلومات عن الموضوع، وحتى من دون أن يقرؤوا عن ذلك في الكتب أو يسمعوا عن ذلك في الأخبار.

ثورة 25 يناير 2011:
تفجرت هذه الثورة نتيجة تراكمات سنين من ظلم وقهر للشعب المصري، إن كان ذلك في الاستئثار بالسلطة بكل ما تعني الكلمة من معنى، أو الاستئثار بالمقدرات المادية للدولة المصرية من دون الشعور بأن الشعب المصري هو صاحب هذه المقدرات وله حق الاستفادة منها.

بل العكس هو الصحيح، فالفقر يزداد ويتفشى في أوساط الشعب المصري مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج مجتمعية، وكذلك انعدام المسكن للأزواج الشابة المصرية، وزيادة عدد العاطلين عن العمل، وفقدان الأمل لمستقبل أفضل، مما أدى إلى ظهور آلاف العشوائيات، وقد ترتب على ذلك أضرار اجتماعية على كافة المستويات، صحية، تعليمية، مستوى معيشة وغيرها.

إن نشوب ثورة 25 يناير قد أبهرت العالم، بل وأوجبت تغيير كتب العلوم السياسية، بالضبط كما فعل الجيش المصري في عبوره خط بارليف في حرب أكتوبر 1973، حيث استوجب ذلك العبور تغيير النظريات في الكليات العسكرية واعتماد الطريقة المصرية. إن كليات العلوم السياسية في كل الجامعات التي تحترم نفسها لم تنته بعد من دراسة ما حدث في 25 يناير 2011 في مصر حتى لحقت بها ثورة 30 يونيو، ثورة تصحيح المسار.

بدأت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 بعد مقتل الشاب خالد سعيد على يد قوات الأمن المصرية من دون مبرر، فبدأ صديقه وائل غنيم يتواصل مع أصدقائه من الشباب ليقرروا النزول إلى ميدان التحرير في القاهرة.

لا ننسى طبعا أنّ الثورة التونسية كانت استطاعت إسقاط أعتى الأنظمة برئاسة زين العابدين ابن علي، واضطرته إلى الهروب من تونس ليستقر به المقام في المملكة العربية السعودية. في هذا السياق يجب أن نذكر أنّ الجيش التونسي كالجيش المصري لم ينحز إلى النظام ضد الشعب، كما حصل في الحالة الليبية، اليمنية والسورية.

لقد أقال الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين ابن علي القائد العام للجيش التونسي حين رفض إطلاق النار على المتظاهرين التونسيين، وأودعه الإقامة الجبرية، وقام بتعيين قائد عام مكانه، رفض هو الآخر التصدي للمتظاهرين وأجبر، بالتعاون مع قيادات الجيش التونسي، الرئيسَ التونسي على مغادرة تونس سلميا.

إن المثالين: التونسي والمصري، يثبتان مدى أهمية أن يكون جيش الدولة جيشا وطنيا وليس جيشا للنظام كما كان الوضع في ليبيا، وكما هو اليوم في سوريا. لقد أراد الرئيس المخلوع، حسني مبارك، أن يتدخل الجيش المصري ضد الشعب، لكن قيادات الجيش رفضت ذلك رفضا قاطعا مما اضطر مبارك إلى التنحي عن الحكم وتسليم صلاحياته للمجلس العسكري بعد ثمانية عشر يوما فقط من اندلاع ثورة 25 يناير.

بقي أن نقول: إنّ الثورتين التونسية والمصرية نجحتا في زمن قياسي، ويمكن وصفهما بالثورات السلمية، رغم ما سقط من ضحايا خاصة في الجانب المصري.

نشبت الثورة المصرية في 25 يناير 2011 من قِبل الشباب المصري، وبدأت تنضم لهم عناصر أخرى من أبناء المجتمع المصري، من المثقفين، رجال السياسة وغيرهم. أما الإخوان المسلمون فقد انضموا إلى الثورة يوم 28 يناير 2011، كما يبدو بعد أن تيقنوا من نجاح تلك الثورة. ولا أحد يقول اليوم، بمن فيهم كاتب هذه المقالة: إنّهم ليسوا شركاء كاملين للثورة.

كما ذكرنا آنفا فإنّ المجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي استلم مهام رئاسة الجمهورية لحين تحويل الحكم لجهاز مدني، كذلك تحولت له الصلاحيات التشريعية.

في هذه الأثناء بدأت تُرسَم خيوط مؤامرة جديدة بين الأمريكان والمجلس العسكري والإخوان المسلمين، ولا نحتم هنا أنّ المجلس العسكري والإخوان المسلمين كانا يقصدان خيانة مصر. فالمجلس العسكري كانت تنقصه التجربة في حكم دولة بحجم مصر خارجة لتوها من ثورة أبهرت العالم. أما الإخوان المسلمون فقد لمسوا أنّ لديهم الفرصة لاعتلاء سدة الحكم بالطريقة الديمقراطية، حتى وإن تكن منقوصة.

فتنظيمهم جاهز ومنتشر على مستوى الجمهورية، وقواعدهم الشعبية واسعة الانتشار، وبإمكانهم كسب أكبر معركة تحتاج إلى هذه الأدوات.

بدأ الحديث في ذلك الوقت يدور حول وجوب إقرار دستور أولا، أو الذهاب إلى انتخابات برلمانية ثم رئاسية، فوقع الاختيار على الذهاب إلى صناديق الاقتراع أولا وكانت النتيجة فوز ساحق لأحزاب التيار الإسلامي، وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة المُنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين. وبما أنّ ثورة 25 يناير لم يفجرها زعيم معين، ولم تأت بزعيم يقودها؛ كان من الطبيعي أن تفوز الأحزاب الدينية هذا الفوز الساحق لجاهزيتها.

ما بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية:
أبهر نجاح الإخوان المسلمين أنفسهم في انتخابات المجلس التشريعي التي جرت الجولة الأولى منها في شهر نوفمبر 2011، فشعروا أنّ شيئا غير طبيعي قد حصل، فأرادوا طمأنة الشعب المصري بأنّه ليست لهم نية في السيطرة على مصر، لأسباب يعرفونها هم أنفسهم كما يبدو، فأصدروا بيانا أعلنوا فيه أنّه ليست لديهم نية تقديم مرشح للرئاسة. أما حزب النور ذو المرجعية السلفية فأعلن ترشيح الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل للرئاسة.

أما السيد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح فقد أعلن ترشيح نفسه للرئاسة، وشكل رقما قويا في الانتخابات الرئاسية.

عندها تراجع الإخوان المسلمون عن نيتهم عدم ترشيح أحد عنهم للرئاسة، فقاموا بترشيح المهندس خيرت الشاطر، وعندما شعروا أنّ المهندس خيرت الشاطر قد تكون لديه مشكلة قانونية في قبول ترشيحه دفعوا بالدكتور محمد مرسي ليكون مرشحا، وإذا ما تم قبول أوراق ترشيح المهندس خيرت الشاطر يتم سحب ترشيح الدكتور محمد مرسي.

تمت انتخابات الرئاسة المصرية في شهر أبريل 2012، وقد تمت بنزاهة وشفافية أبهرت العالم أجمع، وأسفرت الجولة الأولى منها على صعود الدكتور محمد مرسي والفريق أحمد شفيق إلى الجولة الثانية، حيث لم يستطع أحد من المرشحين الحصول على الأكثرية التي تؤهله للفوز بالرئاسة من الجولة الأولى.

وقف غالبية الشعب المصري حيران من النتيجة، فالدكتور مرسي يمثل التيار الإسلامي، وهذا ما لا يريده غالبية الشعب المصري ليس لأنهم لا يريدون الإسلام لكنهم، وهذه وجهة نظر المصريين، ولكن لا يريدون التطرف الذي يمثله الإخوان المسلمون. ولكن بالمقابل يوجد المرشح الثاني الذي يمثل بنظر غالبية المصريين، وهذه أيضا وجهة نظر المصريين، فلول النظام السابق، والذي قامت الثورة المصرية من أجل إسقاطه. فوقف الشعب المصري أمام خيارين أحلاهما مر، وذهبوا إلى صناديق الاقتراع كمن سكب الليمون على نفسه، واختاروا الدكتور محمد مرسي ليكون أول رئيس منتخب بطريقة شرعية بتاريخ مصر.

فعلوا ذلك ليثبتوا أنهم قاموا بثورة 25 يناير ليسقطوا النظام القديم والمستبد، والذي رهن مصر ومواردها حتى سنة 2050 حين استلف من البنوك العالمية والأوروبية لملء كروش أبنائه وأعوانه، ودمر اقتصاد مصر، ناهيك عن التبعية المطلقة لأوامر العم سام، وعن تحويل مصر من الصف الأول من ناحية المكانة إلى الصفوف الأخيرة بين دول العالم.

فعلوا ذلك لأنهم مستعدون للمخاطرة بانتخاب رئيس يمثل الإخوان المسلمين على أن يعيدوا ممثل فلول النظام الذي قاموا من أجل إسقاطه، ولو استوعب الإخوان المسلمون هذا الموقف لما حصل منهم ما حصل، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقا.

بعد انتخاب د.محمد مرسي رئيسا لمصر انعقدت جلسات عمل بينه وبين شركائه من القوى المدنية والليبرالية، الذين لولا مساعدتهم لما وصل إلى كرسي الحكم، ليبدأ بتحقيق ما اتفقوا عليه قبل الانتخابات. لكن كل ما اتفقوا عليه قبل الانتخابات ذهب أدراج الرياح، أما الذي اتفقوا عليه معه بعد الانتخابات فلم يتم تنفيذ أي بند منه، وبدا المصريون يشعرون أنّ الرئيس محمد مرسي لا يملك قراره، وإنما ينفذ تعليمات مرشد الإخوان، كذلك بدا لديهم شعور، تبين لاحقا أنّه صحيح، بأنّ الرئيس مرسي ليس رئيسا لكل المصريين، وإنما رئيس لفصيل واحد فقط.

بدأ الرئيس مرسي وجماعته العمل السريع على إرساء قواعدهم في الحكم ليتمكنوا من مصر ومؤسساتها ويؤسسون للدكتاتورية القادمة، وكأنّهم وحدهم من قام بالثورة. فبدلا من أن ينهجوا نهج حزب الحرية والعدالة التركي بقيادة أردوغان ويعملوا على إصلاح الوضع الاقتصادي أولا ويمسكوا بيد البسطاء، وما أكثرهم في مصر، ليرفعوا من مستواهم المعيشي وينقذوهم مما هم فيه من شقاء وشظف العيش؛ اهتموا في كيفية إقصاء باقي القوى والأحزاب المدنية، والتي لولاها لما وصلوا إلى الحكم. لقد كتبت عن النموذج التركي ونجاحه في شهر مايو من هذا العام.

بدأ الرئيس وجماعته يفصلون موظفين قدامى ويعينون مكانهم من رجالاتهم دون أدنى اهتمام بالكفاءات، بدؤوا يتصرفون كالملهوف أو كمن لم يأكل منذ عدة أيام وفجأة وجد أمامه خروفا محشيا وكان وحده أمامه، وكانوا يعللون ذلك بأنّ كل النظم الديمقراطية عندما تأتي إلى الحكم تقوم بفصل الموظفين القدامى وتعيّن مؤيديها مكانهم.

لو كانت هذه النظرية صحيحة لانهارت جميع الدول الديمقراطية على نظمها. إنّ ما يحدث في الدول الديمقراطية هو أنّ الحزب الحاكم عندما يعتلي سدة الحكم فإنه يبدل الموظفين الكبار والذين من اختصاصهم تنفيذ سياسة الحكم الجديد، كمدراء عامين للوزارات مثلا.

أما الرئيس مرسي والإخوان المسلمون فقد وصل بهم الأمر فصل كل موظف يمكن فصله وتعيين موظف إخواني مكانه، ما سمي بأخونة الجهاز، حتى أنّهم قاموا بفصل موظفين من الطبقة الثانية، الثالثة والرابعة في بعض المؤسسات كما حدث في أرشيف مصر مثلا. وحاولوا كما يبدو ولم ينجحوا في ذلك، بسط سيطرتهم على الجيش ولم يستطيعوا سوى تعيين اللواء عبد الفتاح السيسي رئيسا لأركان الجيش ووزيرا للدفاع، وهو نفس اللواء الذي تدخل لعزل الرئيس مرسي من منصبه لإخراج مصر من أزمتها.

في تاريخ 15 يونيو 2012 وقبل إجراء الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة المصرية بثماني وأربعين ساعة صدر قرار قضائي يقضي بحل مجلس الشعب المصري (البرلمان) بسبب خلل قانوني في انتخابه، مما أدى إلى احتجاج عارم في أوساط الأحزاب السياسية الدينية، خاصة في أوساط الإخوان المسلمين. وقد انعقد المجلس العسكري، الذي كان على رأس السلطة آنذاك، ليصدر قرارا بتبني القرار القضائي ويأمر بحل مجلس الشعب.

في تاريخ 8 يوليو من عام 2012، وبعد أسبوع من تسلمه مهام منصبه، أصدر الرئيس المنتخب د.محمد مرسي قرارا جمهوريا يلغي بموجبه قرار المجلس العسكري من يوم 15.6.2012 والقاضي بحل مجلس الشعب تنفيذا لقرار المحكمة الدستورية وتضمن القرار الجمهوري أيضا دعوة مجلس الشعب للعودة لممارسة عمله وكذلك إجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب خلال ستين يوم من بعد إقرار الدستور والاستفتاء عليه.

أثار هذا الإعلان حفيظة غالبية القوى السياسية والقضائية وحتى المجلس العسكري نفسه فعُقد اجتماع طارئ بعد أقل من ساعتين من صدور القرار الجمهوري مساء الأحد برئاسة المشير حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة لبحث ومناقشة تداعيات هذا القرار الجمهوري. فإعلان الرئيس مرسي بإعادة مجلس الشعب رغم الحكم القضائي ببطلانه يُعد إهانة للقانون والقضاء وحنث في اليمين الذي أقسمه.

بعد إصدار القرار الجمهوري قام المستشار ماهر البحيري رئيس المحكمة الدستورية بدعوة اجتماع طارئ للجمعية العامة للمحكمة غداة صدور القرار الجمهوري لبحث تداعياته.

ومن الجدير ذكره أنّ الإعلان عن هذا القرار الجمهوري جاء بعد لقاء بين مرسي ووليام بيرنز نائب وزير الخارجية الأميركية آنذاك، وغداة اجتماع لمجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في المقطم، مما يوحي أنّ الولايات المتحدة لها نفوذها القوي في الرئاسة المصرية في عهد مرسي ليس أقل من عهد مبارك، وأصبحت لديها الفرصة السانحة لتنفيذ مؤامرتها. وأود هنا أن آتي بتعليقين لشخصيات معنية على القرار الجمهوري:

الأول لرئيس حزب غد الثورة د.أيمن نور الذي قال: “إن قرار مرسي صادم ويحتاج لتوضيح أسانيده”، وقال أيضا في نفس التعليق: “على الرئيس المصري الالتزام الصارم بتنفيذ أحكام القضاء ودولة القانون”.

والثاني للمستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستوري الذي أحيل إلى التقاعد حيث قال: “إن قرار الرئيس غير قانوني ولا يستند إلى أي نص قانوني، وإنّه مخالف للإعلان الدستوري وقوانين الدولة التي أقسم الرئيس على احترامها”.
بعد هذا القرار الجمهوري بدأت غالب الأحزاب المدنية تتحسس طريقها في ظل السيطرة المطلقة للتيار الإسلامي بأحزابه المختلفة وعلى رأسها حزب الحرية والعدالة، فبدأت بالتظاهر في الميادين ضد كل قرار يصدره الرئيس مرسي لا يرونه مناسبا، كذلك كانوا يحتجون على الأداء غير اللائق لإدارة البلاد من الناحية الاقتصادية.

بلغت أخطاء الرئيس ذروتها، كما يبدو أخطاء متعمدة، في 22 نوفمبر 2012 حين أصدر إعلانا دستوريا مكملا وصفه المعارضون له بأنّه تعدي على القانون والدستور وأنّه محاولة للاستحواذ على مرافق الدولة العامة. ومن ضمن القرارات المثيرة للجدل التي تضمنها الإعلان الدستوري:

1. جعل القرارات الرئاسية نهائية وغير قابلة للطعن من أية جهة أخرى، حتى من المحكمة الدستورية، منذ توليه الرئاسة حتى انتخاب مجلس شعب جديد. تعقيب الكاتب: أقل ما يُقال عن هذا البند إنه بند استبدادي وغير دستوري.

2. إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود وتعيين نائب عام جديد بدلا منه هو المستشار طلعت ابراهيم. تعقيب الكاتب: هذه الإقالة وهذا التعيين غير قانونيين، وليس من صلاحية رئيس الجمهورية لا الإقالة ولا التعيين، وهناك نقاط أخرى تضمنها الإعلان الدستوري.

صدر هذا الإعلان الدستوري في أجواء مشحونة سياسيا واجتماعيا، كصدور قرارات قضائية تقضي بتبرئة كثير من رموز النظام السابق المتهمين بقتل متظاهرين في ثورة 25 يناير مثلا وغيرها.

أدى الإعلان الدستوري إلى استقطاب شديد وحاد في الشارع المصري بين مؤيد ومعارض، وخرجت مظاهرات حاشدة أيضا بين مؤيدة ومعارضة في أنحاء عموم مصر. كذلك أدى الإعلان الدستوري إلى استقالة سمير مرقس مساعد الرئيس، وجميع مستشاري الرئيس المستقلين، سكينة فؤاد، سيف الدين عبد الفتاح، عمرو الليثي، فاروق جويدة ومحمد عصمت سيف الدولة من مؤسسة الرئاسة احتجاجا على صدور الإعلان الدستوري ولعدم الاستماع إليهم وتجاهلهم.

بينما أعلن المفكر القبطي دكتور رفيق حبيب مستشار الرئيس ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة انسحابه من العمل السياسي بما في ذلك أي دور في مؤسسة الرئاسة أو الحزب.

اعتبر المجلس الأعلى للقضاء في مصر أنّ الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي يتضمن اعتداء غير مسبوق على استقلال القضاء وأحكامه، وأنّ المجلس هو المعني بكافة شؤون القضاء والقضاة مُبديا “أسفه” لصدور هذا الإعلان.
كما أصدر المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية واتحاد كتاب مصر بيانات رفضوا من خلالها الإعلان الدستوري بل ونددوا به. كذلك أبدت عدة دول ومنظمات دولية تحفظها وقلقها من الإعلان الدستوري هذا. وعلى المستوى الاقتصادي تلقت البورصة المصرية خسائر فادحة تقدر بأكثر من ثلاثين مليار جنيه من رأسمالها السوقي في أعقاب هذا الإعلان الدستوري.

بعد الإعلان الدستوري تشكلت جبهة الإنقاذ التي ضمت غالبية القوى السياسية والأحزاب المدنية، وانتخب رئيسا لها الدكتور محمد البرادعي، وضمت شخصيات معروفة مثل: د.عمرو موسى، السيد حمدين صباحي، د.عمرو حمزاوي وغيرهم. نظمت جبهة الإنقاذ فعاليات شعبية كثيرة من مليونيات ووقفات احتجاجية وغيرها، إلا أنّها لم تستطع التأثير الفعلي على ما يجري في مؤسسة الرئاسة، والتي باتت وحدها بالإضافة إلى مجلس الشورى المؤسستين الوحيدتين اللتين تديران شؤون الدولة من دون عمل أي حساب لمؤسسة القضاء، مما زاد من النقمة على الرئاسة والإخوان المسلمين وساعد على اتساع الهوة بين الرئاسة والإخوان من جهة وبين المعارضين من جهة أخرى. في هذه الأثناء حصلت استقالات أخرى وكثيرة بين نواب الرئيس ومستشاريه ومعاونيه.

حتى انطلقت حملة تمرد يوم الجمعة 26 أبريل 2013 من ميدان التحرير لتعلن أنّها بصدد جمع 15 مليون استمارة حجب ثقة يوقع عليها المواطنون المصريون لتطالب بواسطتها سحب الثقة من الرئيس مرسي ودعت إلى عقد انتخابات مبكرة، وقد حددت حركة تمرد يوم 30 يونيو من هذا العام هو يوم انتهاء الحملة وأنّها (حملة تمرد) ستدعو جموع المواطنين المصريين الذين وقعوا على استمارات الحملة إلى وقفة في ميدان التحرير وأمام قصر الاتحادية وفي كل ميادين مصر في ذلك اليوم، والبقاء هناك حتى يستقيل الرئيس أو يعلن عن إجراء انتخابات مبكرة.

لاقت حركة تمرد نجاحا منقطع النظير، ما لم يستطع إليه من سبقها إلى هذا النهج من حركات أخرى مثل حركة “مستمرون”، وقد استطاعت حركة تمرد أن تجمع مائتي ألف توقيع في الأسبوع الأول من انطلاقها. وبعد مرور أسبوعين من انطلاق حملة تمرد أعلن مؤسسوها في مؤتمر صحفي أنهم جمعوا 2.029.592 استمارة موقعة لسحب الثقة من الرئيس مرسي.

أحدث إعلان حركة تمرد عن عدد الاستمارات الموقعة الزائدة عن مليونيْ استمارة خلال أسبوعين صخبا إعلاميا واسعا ساعد في انتشار الحركة أكثر في الأوساط الشعبية في ربوع مصر، كما أجمعت على تأييدها جميع قوى المعارضة تقريبا، كما وأنّ بعض القوى من التيار الإسلامي السياسي انضمت إليها. ولمساعدة حركة تمرد بعد النجاح الذي لاقته قامت غالبية الأحزاب المدنية ونقابة المحامين المصريين بفتح مقراتها أمام المواطنين لتلقي الاستمارات الموقعة. من جانب آخر أطلقت مجموعة من الإخوان المسلمين وتيارات إسلام سياسي حملة لجمع استمارات مؤيدة للرئيس مرسي سُميت بحملة تجرد.

في تاريخ 30 يونيو 2013 خرج ملايين المصريين إلى ميادين مصر في جميع محافظات الجمهورية ليتعدوا حسب إحصاء وكالة الأنباء الفرنسية اثنين وأربعين مليون مواطن، ووصفته بأنّه أكبر حشد في يوم واحد في تاريخ البشرية. وحسب إحصائيات الجيش المصري بلغ عدد جموع المحتشدين اثنين وثلاثين مليونا، وقد قدرت مصادر أخرى هذه الجموع بعشرين مليونا، وهناك بعض المعارضين لحركة تمرد قدرت الجماهير المحتشدة بثلاثمائة ألف مواطن!!! وقد اتهم بعض المعارضين حركة تمرد بأنّها حركة تخريبية وأنّ ادعائها بأنّها جمعت اثنين وعشرين مليون استمارة ما هو إلا افتراء وكذب.

في تاريخ 3 تموز من هذا العام وبعد أن استمرت الحشود العظيمة الوقوف في الميادين كان لا بد للجيش المصري من التدخل قبل انزلاق البلاد إلى حرب أهلية وضياع مصر، وكان الجيش هو الجهة الوحيدة التي باستطاعتها التدخل لإنقاذ الوضع، فالإخوان المسلمون لا يريدون إبداء أية مرونة في تعاملهم مع الآخرين.

قبل 30 يونيو بأيام توجهت قيادة الجيش المصري إلى الرئيس مرسي طالبة منه التعامل مع الوضع بأكثر ليونة، وبالتحديد في تاريخ 22 يونيو توجه القائد العام للقوات المسلحة المصرية اللواء عبد الفتاح السيسي وعرض على الرئيس مرسي برنامج سمّاه بخارطة الطريق وأخبره أنّ القوى السياسية الأخرى موافقة عليها، واقترح عليه أن يجري استفتاء أو انتخابات رئاسية مبكرة ليُخرج البلاد من المأزق الذي دخلت فيه، فرفض الرئيس مرسي عرض الجيش بل واستهان بهم وأمرهم بصفته القائد العام للقوات المسلحة أن يبعثوا جيشا لسوريا لمساندة الثوار. والجدير ذكره أنّ الرئيس مرسي أمر في وقت سابق من شهر يونيو قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وإغلاق سفارتها في القاهرة بينما أبقى على السفارة الإسرائيلية.

بعد تلك الجلسة بين الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة ألقى اللواء عبد الفتاح السيسي خطابا منح من خلاله الفرقاء القوى السياسية مدة ثماني وأربعين ساعة لحل الأزمة، وعلى جميع القوى الفاعلة العمل على الخروج من الأزمة، وأنّ المطلوب من الجميع تقديم تنازلات من أجل ذلك. ويذكر أنّ جماهير مؤيدة لمرسي خرجت قبل 30 يونيو ببضعة أيام وأعلنت أنها تنوي الاعتصام بميدان رابعة العدوية.

إنّ خروج الجماهير يوم 30 يونيو بهذا الحشد العظيم أبهر العالم أجمع وسوف يقوم العاملون على تدريس العلوم السياسية بتغيير نظرياتهم وملائمتها للمشهد المصري كما فعلت الكليات العسكرية عام 1973 في أعقاب حرب أكتوبر. في يوم 3 يوليو قام اللواء عبد الفتاح السيسي عزل الرئيس مرسي من منصبه وعين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئيسا مؤقتا لمصر، كذلك أصدر إعلانا دستوريا أعلن من خلاله تعطيل العمل بدستور 2012 لحين إجراء تعديلات عليه، وقد تم أخذ الرئيس مرسي إلى جهة غير معلومة.

بعد عزل الرئيس مرسي:
بعد عزل الرئيس مرسي، وهذه خطوة ليست بالسهلة، أطلق المؤيدون للرئيس المعزول مرسي على هذه العملية مسمّى “انقلاب عسكري”، أما المعارضون لمرسي فقد أبدوا ارتياحهم من هذه الطريقة وعارضوا أن يكون هذا انقلابا عسكريا. بدأ مؤيدو مرسي المعتصمون في ميادين رابعة العدوية والنهضة المطالبة بإعادة الرئيس الشرعي للحكم، وإتاحة الفرصة أمامه إتمام مدة حكمه. لكنهم تناسوا أنّ الممارسات التي قام بها والإخوان خلال سنة حكمهم هي التي أدت إلى ما حدث، وأنّ مصر لكل المصريين وليست لهم فقط.

إنّ الانتخابات هي أفضل الوسائل ليقرر الشعب اختيار من يريد أن يحكمه، لكن الانتخابات لا تخول المُنتَخَب العبث بمقدرات الدولة ومخالفة الدستور والقانون كيفما يشاء، ولا أن يتبع سياسة الإقصاء ضد معارضيه، فهذه الممارسة هي التأسيس للدكتاتورية بعينها. وهل ظن الإخوان أن يسرقوا مصر ويفعلوا بها ما يشاؤون؟

بقي مؤيدو مرسي معتصمين بميدانيْ رابعة والنهضة، وبدؤوا يطلقون مسيرات مختلفة ويقطعون الطرقات ويحاولون شل حركة المرور وإفشال الدولة ما أمكن. وبدأت كذلك عمليات تخريبية تطال أفراد الجيش المصري في سيناء، ووصل الأمر بالقيادي في جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد البلتاجي أن يصرح أمام جموع معتصمي رابعة أنّه في حال إرجاع الرئيس مرسي إلى كرسي الحكم فإن الأمور في سيناء ستهدأ. وقد أثار هذا التصريح الذي نقلته جميع وسائل الإعلام سخطا كبيرا في أوساط الجيش والشعب المصري، واعتبره تحريضا واضحا على العنف والقتل.

تزايدت أعداد المعتصمين في ميدانيْ رابعة والنهضة ولم يستمع المعتصمون إلى مطالبة الحكومة الجديدة لهم بفض الاعتصام الذي بات مصدر إزعاج لحياة المصريين، وصرحوا أنّهم لن يفضوا الاعتصام إلا برجوع الشرعية، أي رجوع مرسي لكرسي الحكم وتفعيل الدستور الذي تم تجميده. راهن الإخوان المسلمون على كثرة عددهم وقوة تنظيمهم وقدرتهم على شل حركة الدولة فبدؤوا يستعينون بالقوى الخارجية بشكل غير علني.

في هذه الأثناء طالب اللواء عبد الفتاح السيسي الجماهير المصرية النزول إلى الشوارع المصرية من أجل تفويض القوات المسلحة لحل الأزمة، فنزل إلى شوارع وميادين مصر يوم 26 يوليو أعداد هائلة لا تقل، إن لم تزد، عن الأعداد التي نزلت يوم 30 يونيو، وكان هذا بمثابة تفويض واضح من الشعب للقوات العسكرية والشرطة أن تقوم بفض الاعتصامات بالطرق التي تراها. ورغم كل ذلك لم يُقَدر الإخوان المسلمون عاقبة سلوكهم غير المبرر.

لم ترد الحكومة والجيش ولا الشعب فض الاعتصامات بالقوة، وفضلوا إعطاء الفرصة للطرق السلمية. جاء إلى القاهرة للتدخل لحل الأزمة الكثيرون من الأمريكان والأوروبيين والعرب، وقام الكل بمحاولاته لحل الأزمة، حتى أنّ الحكومة سمحت لقسم من هؤلاء الزوار بزيارة الرئيس المعزول في مكان إقامته، وكذلك قاموا بزيارة المهندس خيرت الشاطر في مكان اعتقاله من أجل نزع فتيل الأزمة، لكن من دون فائدة تُرجى. بعد ذلك أعلنت رئاسة الجمهورية فشل جميع المساعي الحميدة من أجل إنهاء الأزمة بالطرق السلمية وأنها عازمة على فض الاعتصامات بكل الوسائل القانونية.

بعد انقضاء عيد الفطر المبارك ورفض الإخوان مبادرة شيخ الأزهر كان لا بد لقوات الأمن أن تفض الاعتصامات ولو بالقوة، ففعلت ذلك يوم 12 أغسطس الحالي فقامت في صباح يوم 12.8 بفض اعتصام ميدان نهضة مصر أمام جامعة القاهرة، واستغرقت عملية الفض حوالي نصف ساعة. أما اعتصام رابعة فقد باشرت قوات الأمن بفضه قبل ساعات المساء، واستمر وقتا أكثر، وسقط الكثير من الضحايا من الجانبين: قوات الأمن والمعتصمين (انظر بهذا الخصوص في بند سابق أعلاه).

بعد فض الاعتصامين ارتكبت جماعة الإخوان المسلمين أكبر خطأ في تاريخهم، بدؤوا يعيثون في الأرض فسادا، فبدؤوا بحرق كل مؤسسة يستطيعون حرقها، وكذلك تنامت بشكل واضح العمليات التخريبية في سيناء، فبات واضحا أنّهم يريدون حرق مصر كافة. فعرف الشعب المصري والجيش والشرطة أنّ الإخوان المسلمين يريدون حرق مصر أو حكمها. حرقوا العديد من مقار الشرطة، المباني العامة والكنائس، لعل ذلك يؤدي إلى فتنة طائفية يكون المستفيد منها الإخوان المسلمين في النهاية، وقُتل في سيناء العديد من القوات العسكرية.

وحدت سلوكيات الإخوان المسلمين التخريبية هذه عموم الشعب المصري بكل أطيافه، فعدا عن حالة الامتعاض من هذا السلوك وجد الإخوان المسلمون أنفسهم بمواجهة الشعب المصري قبل الشرطة والجيش، وأنّ رهانهم على كثرتهم واستعدادهم للتخريب من أجل تقويض أركان الدولة لم يسعفهم بشيء. وبعد مرور أسبوعين بالضبط من فض الاعتصامين وجدت غالبية قيادات الإخوان نفسها داخل السجون، عدا الهاربين منهم، ولا بد من إلقاء القبض عليهم، فكما يبدو أنّهم تعودوا على السجون أكثر من تعودهم على القصور.

مبدأ الانتخابات:
يبرر الإخوان المسلمون الرافضون لعزل مرسي أنّ الرئيس مرسي جاء إلى الحكم بإرادة الشعب عن طريق الانتخابات، وأنه لا يجوز عزله إلا بعد انقضاء فترة حكمه، لكن، وحسب رأيي، فإن هذا الكلام حق يُراد به باطل. نسي الإخوان ومؤيدوهم أن يذكروا الأسباب التي أدت إلى عزل مرسي، وأنّ هناك أدوات أخرى في الديمقراطية لعزل الرئيس المنتخب، وأول هذه الأدوات هي حجب الثقة، وأنّ الشعب هو مصدر الصلاحيات والتشريع، فالشعب الذي انتخب الرئيس هو نفس الشعب الذي يستطيع سحب الثقة منه، وهذا ما حصل بالضبط مع الدكتور مرسي، رغم أنّ مؤيديه لا يريدون الاقتناع بذلك. إذا كان الأمر كذلك فالإخوان يريدون فقط استغلال قانون الانتخابات ومن بعدها يقومون بإلغاء هذه الانتخابات، وقد أحسن أحد المعلقين وصف هذه الحالة بقوله: “الإخوان تصرفوا كمن صعد إلى السطح على السلم، وقاموا بسحب السلم عندهم؛ لأنّهم لم يريدوا أن يصعد أحد غيرهم إلى السطح”، وهذا ما قلنا عنه: إنّه تأسيس للديكتاتورية، إذن حسنًا فعل السيسي بعزل مرسي.

في خطابه يوم 2 يوليو، يوما واحدا قبل العزل، والذي أطلق عليه خطاب الشرعية، ذكر الرئيس مرسي خلال خطابه المطول أنّه أخطأ، وأنّه ينوي تصليح الخطأ، لكنه نسي أن يذكر بماذا أخطأ وكيف يريد أن يصلح الخطأ. ومن الجدير ذكره أنّ الرئيس مرسي لم يذكر ولو بكلمة واحدة أمرين مهمين: الأول لم يذكر ملايين المصريين الموجودين في الشارع يطالبون سحب الثقة منه، والثاني لم يذكر إنذار القوات المسلحة الذي أمهل الرئيس والقوى الفاعلة على الساحة مدة ثماني وأربعين ساعة لإنهاء الأزمة، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أنّ هذا التغاضي نابع عن قصد مسبق، ونابع من اعتماده وجماعته على قوتهم في تقويض أركان الدولة والاستقواء بالقوى الخارجية، وأمريكا بالذات.

بعد فض الاعتصامين بدأت أمريكا وأوروبا وقطر وتركيا التنديد بالاستعمال المفرط للقوة وقت فض الاعتصامين، وكذلك التفريط بحقوق الإنسان، وبدؤوا يهددون بتدويل القضية وقطع المساعدات، لكن التحرك السريع والحازم أفهم الجميع أن مصر لم ولن تركع إلا لله، وأنّ الشعب المصري متوحد ضد التدخل الخارجي، وفي كل الحالات فإنّ القرار سيبقى مصريا مائة بالمائة، ساعد على ذلك الموقف المساند من قبل بعض الدول العربية وعلى رأسها السعودية والإمارات التي سارعت بالتعهد بدعم اقتصاد مصر وأنها ستعوض مصر عن كل مساعدة تحجبها عن الدول الأجنبية.

لم فحصنا في المائتان وخمسون سنة الماضية لوجدنا أن المجموعة الوحيدة التي استعملت العنف في مصر هي المجموعات الإسلامية، إذاً تارخهم يشهد لهم.

لأول مرة منذ أربعين عاما تسمع أمريكا كلمة لا لإملاءاتها من قبل مصر، ولأول مرة يقول قائد الجيش المصري: لا لأمريكا، والشعب المصري متحد وراء قياداته السياسية والعسكريةـ وبدأ الشعور بأنّ أيام العزة الناصرية تعود إلى المصريين. بعد هذا الموقف الموحد من جموع المصريين وراء قياداتهم بدأنا نرى التراجع في مواقف الأوروبيين والأمريكان، وسيتبعهم الباقون إن شاء الله. أما أغرب موقف فكان الموقف التركي، وأريد أن أذكر ما كتبته صحيفة Washington post (واشنطن بوست) حين كتبت في عددها الصادر يوم السبت 24 يوليو ما يلي: “كان لا بد من عزل مرسي لأنه كان يؤسس للدكتاتورية القادمة”.

وبودي أن أنهي وأقول: إنّني سعيد جدا لما جري ويجري في مصر، وأترحم على أرواح الشهداء، وما يعزّيني أنّ مصر ذاهبة إلى العصر الذهبي في حياتها السياسية كي لا تذهب دماء المصريين سدى، وأنّ شعب مصر العظيم أعطى الفرصة للإخوان من أوسع الأبواب، لكنهم خيّبوا حتى آمال أنفسهم، ولم يحسنوا صنعا في السلطة التي استلموها، بل أرادوا تركيع مصر وتقسيمها خدمة لأمريكا ومصالحهم الضيقة، لذلك أقول لهم، وملاحظة أخيرة أود أن أقولها هي أن كلامي وانتقادي كله موجه للقيادات في الإخوان المسلمين وليس للمؤيدين أو البسطاء منهم.