شاركونا بأخباركم! اضغط هنا ...

اللغة وعلاقتها بالآخر

محرر الخبر: موقع هسا | تاريخ النشر: 14 يوليو, 2013 | القسم: مدارس وتعليم

بروفيسور محمود غنايم

إن اللغة تقاس بمدى استيعابها للغات الأخرى/للآخر: ألفاظًا وتعابير ومفاهيم. وكان جورجي زيدان قد أشار إلى هذه الظاهرة في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية. والتاريخ العام، وتاريخ اللغات على وجه التحديد، يثبت ذلك، فاللغة العربية في فترات ازدهارها كانت قادرة على الأخذ مثلما كانت قادرة على العطاء.

في التلاقح اللغوي هناك ما يسمَّى باللغة المهيمنة superstrate واللغة الخاضعة substrate ويبدو لي أن لغتنا العربية الفصحى في العصر الحديث، وفي السياق الحضاري الجديد، تعطي اللغات الأخرى ولكن من منطلق الخضوع، بينما هي لا تأخذ من الحضارات الأخرى. وهذه عملية خطيرة قد تقود اللغة إلى فقدان موقعها كلغة فاعلة على الساحتين المحلية والعالمية.

والحال في اللهجة المحكية مختلفة، فرغم النظرة الدونية لهذه اللهجة بشكل عام إلا أن لديها القدرة على الاستفادة من اللغات الأخرى، وبالتالي هذا يعزز من مركزها في القوة والهيمنة.

ما هي العلاقة بين اللهجة العامية والفصحى، أو بين المحكية والمكتوبة. أعتقد أننا يجب أن نعيد قراءة هذه العلاقة بين اللغتين أو بين اللغة واللهجة، بحيث لا نقف ضد حركة التاريخ. هناك لغة وسطى تنشأ ويجب أن نترك لهذه اللغة أن تتحرك بحرية لتتكون على طبيعتها ودون إملاءات خارجية: سياسية كانت أو اجتماعية أو دينية. هذه اللغة الوسطى، إذا ما تركت تتصرف على طبيعتها، سيكون المستقبل لها، لأنها قادرة على الأخذ كما هي قادرة على العطاء.

من ناحية يجب احترام لغتنا وعدم التقليل من شأنها، ومن ناحية أخرى، الشعوب الواعية والمتحضرة لا تؤلّه لغاتها ولا ترى أنها اللغة الوحيدة المقدسة التي لا شبيه لها في اتساعها وفصاحتها وقاموسها، بل تنظر إلى الآخر، والآخر هو بالمفهوم اللغوي في هذا السياق.

وهذه دعوة إلى التعامل مع اللغة دون شوفينية قومية أو دينية. إن عبادة اللغة من منطلقات شوفينية لا تخدم المسيرة الطبيعية للغة، بل تحجُرها في أطر مقبَضة ومتحجرة.

هذه النظرة الضيقة هي التي تقود إلى التحجر والتقوقع وتحوّل اللغة إلى لغة خاضعة تعطي اللغات الأخرى، لكنها لا تقبل منها. وهكذا تتحول إلى مجرد مستودع للعطاء لا للأخذ. هنا تحدث المشكلة التي قادت إلى زوال الكثير من اللغات وانقراضها.

الترجمة من وإلى العربية هي كذلك مجال مهم ومؤثر في تاريخ الأدب والتاريخ الاجتماعي والسياسي، ومجال فاعل لعملية التلاقح اللغوي. الترجمة تمثّل حقلاً هامًا ومنظومة لا يمكن تجاهلها، وهي تكوّن رافدًا أساسيًا في كل تناول للمنظومات الثقافية في المجتمع.

*نص الكلمة التي ألقاها البروفيسور محمود غنايم، رئيس مجمع اللغة العربيّة- حيفا، في مؤتمر “اللغة والعلاقة بالآخر” الذي أقامه المجمع يوم السبت 6/7/2013 في فندق “بلازا” في الناصرة العليا.

تنويه: تعليقات الزوار الكرام المنشورة تعبر عن رأي اصحابها فقط ولا تعبر عن رأي موقع هسا بتاتاً.
يرجى الحفاظ على مستوى المشاركه في التعليقات وعدم تعدي الحدود او المس باشخاص او التعليق بما ليس له علاقة بالموضوع المنشور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.