شاركونا بأخباركم! اضغط هنا ...

هكذا كانت ولم تعد : بقلم: ميسان زياد ناصر

محرر الخبر: موقع هسا | تاريخ النشر: 16 فبراير, 2013 | القسم: الأخبار الرئيسية, مقالات وشخصيات

تعرّض عرب الــ ٤٨ للتمييز العنصري على عدّة اصعدة ومنها الصعيد الاقتصادي، الاجتماعي، الخدماتي وغيرها من الأصعدة٠

طيرة بني صعب هي قرية فلسطينية كانت تتبع لقضاء طولكرم في عهد الانتداب البريطاني٠ بعد الهدنة بين إسرائيل والأردن، تم تسليم شريط حدودي من قرى المثلث لإسرائيل وكانت من ضمنه الطيرة٠

في عام ١٩٥٢ اعترفت إسرائيل بالفلسطينيين الذين يسكنون داخل الخط الأخضر كمواطنين في الدولة العبرية، حيث اعترفت بقسم من حقوقهم وأعلنت الحكم العسكري على الكثير من المدن والقرى العربية الأخرى حتى عام ١٩٦٦

تعرّض عرب الـ٤٨ للتمييز العنصري على عدّة اصعدة ومنها الصعيد الاقتصادي، الاجتماعي،الخدماتي وغيرها من الأصعدة. فمثلاً، على الصعيد الاقتصادي، كانت المخصصات للفرد العربي في سنوات السبعينات تساوي عُشر مخصصات الفرد اليهودي وامّا اليوم فهي تساوي الثلث، ممّا كان سببًا في سوء الوضع الاقتصادي الذي عاشَهُ العرب وما زالوا يعيشونه٠
وممّا زاد من الأزمة الاقتصادية لدى فلسطينيي الداخل, تعلّقهم بالدولة الاسرائيلية والدول العربية المجاورة. بعد انتهاء الحكم العسكري تحسّن وضعهم الاقتصادي نتيجة استقلالهم وتطوير طموحاتهم الاقتصادية وخاصةً بعد السماح لهم بالتجارة مع دول الجوار وعودتهم للزراعة بعد منعهم عنها لفترة طويلة٠

بعد اجتياز عرب الداخل المِحَن الاقتصادية أفاقوا على أزمة أكبر، ألا وهي أزمة الهويّة٠
لقد كثُرت الأسئلة حول هويّتهم ووجودهم في الدولة اليهودية وتبعيتهم (الإجبارية) للجنسية الإسرائيلية وتأثيرها عليهم٠ الحقيقة هي أنّ فلسطينيي الداخل أنفسهم ايضًا بحثوا عن إجابات لهذه الأسئلة عبر السنين وعانوا من صراعات داخلية دائمة انتقلت عبر الاجيال حتى يومنا هذا٠
“من أين أنت؟ من إسرائيل، أجبت٠ وما هي هويتك؟ عربية أجبت، أصلك؟ يقولون أن أجدادي من فلسطين٠ وإلى أين تنتمين؟ ولدت في اسرائيل وترعرعت فيها ولا أشعر بانتماء إلى أي مكان آخر” ( درس المدنيات في مدرستي عام ٢٠٠٤)٠

هكذا كانت الاجابة السائدة في درس المدنيات، هل لكوننا نعيش في ظل حكم الدولة الإسرائيلية وفي ظل هيمنة ثقافتها ونفوذها، من الممكن أن ننخرط بشكل أو بأّخر في المجتمع اليهودي؟ وما هو مدى انخراطنا؟ هي معادلة بسيطة; نتيجة لسيطرة الاحتلال على المؤسسات الحكومية ومن ضمنها وزارة المعارف، باتت الحكومة تُملي علينا المنهاج المتّبع في المدارس (خاصة منهاج التاريخ والمدنيات)٠ كما وأن الطلاب اعتادوا على العطلة عن المدارس في “ذكرى استقلال دولة إسرائيل” والتي بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين هي ذكرى نكبتنا٠

بالإضافة الى ذلك، فقد تم منع طرح المواضيع الوطنية داخل إطار المؤسسات التربوية، حيث أصبح رداء الكوفيه الفلسطينيه ذنب ودوّن الــ ” تكفا” (النشيد الوطني الاسرائيلي) في سطور الكتب، بينما٠٠٠ مين بعرف النشيد الوطني ألفلسطيني؟
نقطة إضافية لتوضيح المعادلة; إحدى عناصر التمييز التي ذكرناها كانت التمييز في المخصصات الإقتصادية للأفراد العرب بالدولة مقابل اليهود، نتيجةً لهذا التمييز اصبح هناك نقص شديد في المراكز التربوية، المراكز الجماهيرية، النوادي، المكتبات العامة، المسارح وغيرها، وخاصةً في القرى والمدن الصغيرة مما أسفر عن انخفاض مستوى الثقافة والعطاء وازدياد الفراغ عند الكثيرين، الأمر الذي كانت له عواقب سلبية عديدة٠
من جهة أخرى، اضطر البعض للتوجه الى البلدات اليهودية المجاورة للانتساب إلى المراكز التربوية والترفيهية وغيرها، مما أدى تدريجيًا إلى الانخراط بشكل أكبر في المجتمع اليهودي٠

مع مرور الزمن أصبحت هذه الأقلية تعاني من قضايا إجتماعية مؤلمة٠ بدأت الحكاية بعائلات غريبة تستوطن الطيرة، حملت السلاح وتاجرت في الممنوعات٠ اقتصرت القضية في البداية على عدد محدود من العائلات لا غير، ولكنها، كالخلية السرطانية نمت وتكاثرت، حيث تبع الأمر تجنيد العديد من الشباب لخدمة هذه الخلايا بإغرائهم الأموال، السلاح القوة والنفوذ٠

السؤال هو “ليش سهل ينجرفوا؟” لأننا نعيش اليوم في مجتمع مادّي وسطحي, فيه اصبح للماديات والشكليات اهمية كبيرة جدًا٠ فمثلً، لم يعد يهم امتلاك الاشياء بل اظهار وعرض هذه ممتلكاتنا للغير والتباهي فيها٠ هنا يبدأ النزاع والسباق لنيل لقب العائلة الأرقى والشاب الأغنى والسيارة الأفخم والماركة الأثمن٠ من هنا بات تجنيد الشباب لهذه الخلايا سهلًا بالقليل من الإغراءات الماديّة، حتى أصبحنا نرى السلاح في كل مكان في أيدي الشباب ونشاهد مظاهر العنف والجريمة في كل شارع٠
ففي الطيرة وحدها كانت حصيلة أعمال العنف لعام ٢٠١٢ حتى شهر تشرين الثاني ٦ جرائم قتل و٢٢ مصابًا بالإضافة إلى عدة عائلات ثكلى، وتفيد المعطيات ان معدّل حوادث العنف والقتل في الطيرة في ارتفاع من عام إلى اَخر٠

“شو اللي وصّلنا لهاي الحالة ؟”، “وين الشرطة ؟”، للشرطة دور مهم في هذه القضية وبإستطاعتها كبح هذه الظاهرة وقمعها، ولكن! برأيكم هل نستسلم وندع عدوّنا الجائر يحصل على مبتغاه؟ أم نقاوم بإرادتنا وثقافتنا وأخلاقنا؟ إن هذه الظاهرة هي نتيجة لخلل كبير في التربية وصقل الشخصية وعوامل كثيرة يترأسها الفراغ وخاصةً عند الشباب والتي من بين أسبابها التمييز وسياسة الاحتلال التي ذكرناها في المعادلة السابقة٠

بعد مرور أربعةٍ وستّين عامًا على الإحتلال، أصبح أبناء الطيرة يعيشون في ذعر دائم وترّقب خبر وفاة أحد ابنائها، حيث أصبحت البندقية التي رُفعت في الماضي عشقًا للحرية وطلبًا للكرامة وسيلةً لسلب الأرواح عنوةً٠
كانت هذه القرية الحِصنَ والقلعة المشّرفة،كانت مقرًا وملجأً للثوار، فاحت شوارعها بشذا دماء الشهداء، قادت المعارك صمودًا في وجه العدو رافضةً اغتصاب تراب وطنها، هكذا كانت٠٠٠ ولم تعد!